Thursday, November 8, 2012

اللّغة في سنوات الطفل الأولى

مقالة نشرت في مجلة "القبس"

يؤكّد علماء النّفس والاجتماع والتّربية على الأهمية البالغة للسّنوات الأولى من حياة الإنسان
بالنسبة لتكوينه النفسي والاجتماعي والذهني. ويولي هؤلاء أهمية خاصة للنمو اللغوي الذي له الدور الأعظم في تحديد المصيـر الدراسي للطفل. فاللغة، كما يرى أستاذ علم الاجتماع اللغوي "برنشتاين" المهتم بعملية التنشئة الاجتماعية، نمطان : نمط متبلور ونمط محدود. ونمط اللغة عند الطفل يحدّده محيطه المباشر(العائلة) منذ صغره.
يتميّز النّمط المتبلور بوجود قاموس لغوي غني في محيط الطّفل، يكثر فيه استعمال الرّوابط الكلامية، حيث تعتمد فيه العائلة على الإكثار من كلمات الوصف والجمل الطويلة المتنوعة التراكيب، وهو محيط يتداول أفراده الكتاب والصحيفة والمجلة والـ CDs  ويستعملون الكمبيوتر ويتحدّثون بأصوات لا ضجيج فيها، بينما تكون ال غة في بيئات الن مط المحدود ضعيفة قليلة الاستعمال، جملها قصيـرة وتراكيبها بسيطة والوصف فيها نادر والشرح فيها قليل، مع أفكار مشوَّشة وتعابـر غيـر واضحة الدّلالة، مترافقة مع الإكثار من حركة الجسد والإشارات اليدوية الّتي تنمّ عن فقر المعجم اللّغوي لديهم.
أما ربط النّمو اللّغوي عند الطّفل بتحديد مصيـره الدراسي فيعود إلى أن لغة الصّف هي اللّغة المتبلورة، فمن كان رصيده اللّغوي متبلوراً في بيته، يجد صفه مكاناً مريحاً له، حيث يستطيع التّواصل مع معلّميه وزملائه بشكل تلقائي، وبذلك يعطي صورة إيجابية عن نفسه، الأمر الذي ينعكس على نظرة معلّميه إليه في جعلهم أكثر اهتماماً به كما أظهرت الدّراسات.
وعلى النّقيض من ذلك من كان رصيده اللغوي محدوداً في بيته، يجد نفسه غريباً في صفّه، غيـر قادرٍ على التّأقلم والتّواصل مع معلّميه ورفاقه بالشّكل الّذي يُتوقّع منه. ويعود ذلك إلى أن اللّغة الّتي أتى بـها من بيته غيـر لغة معلّميه ولغة كتبه أو حتى لغة الكثيـرين أقرانه. وبتعبيـر آخر، لغته مختلفة عن لغة بيئته الجديدة: الصف. ولذلك كان من الطّبيعي أن ينظر إليه معلّموه على أنّه "خجول"،" لا يشارك"، "ضعيف"، "دون مستوى الصف" إلى ما هناك من تصنيفات لـها دلالات ضمنيّة موضحة أنّ هناك ضعفاً في قدراته التعلُّمية، الأمر الذي قد لا يكون صحيحاً على الإطلاق.
هذا مع العلم أنَّ صاحب اللّغة المحدودة لا يُعطى في معظم الأحيان الفرصة ليظهر ما عنده من قدرات ذهنية ومهارات لغوية، وما يملك من استعدادات وقابليّة لتطوير لغته وتعلُّم المزيد، وبذلك يُحرم هذا التلميذ من الكثيـر من الفرص الّتي قد تتيح له التقدُّم ليصبح مستبعداً عن مجموعة التّلاميذ الّتي تحصل على الاهتمام. كلُّ ذلك سببه الصّورة السّلبية الّتي يرسمها المعلّم عن التّلميذ، مما يؤدي إلى صورة سلبيّة يرسمها التلميذ ذاته عن نفسه، حتى يصل إلى التعثّر الدراسي والفشل الحياتي.
ونحن عندما نمعن النظر نلاحظ أن التلاميذ الذي يعانون من التأخُّر الدراسي في صفوفهم الابتدائية نجد أنّ معظمهم من التلاميذ الخجولين، قليلي الكلام، حيث لا يجيدون من اللّعب الجماعي إلا ما كان قاسياًً، مع لجوئهم إلى الضّرب والعنف الجسدي بدلاً من الكلمة والحوار للتعبيـر عن أنفسهم عند أيِّ موقفٍ أو مشكلة، ومردّ ذلك كلِّه إلى عدم تأمين النّمط اللّغوي المتبلور في بيئة الطّفل وبيته، ولو أن الأهل انتبهوا إلى أهميّة الاستخدام العالي للّغة في حياة أبنائهم ، لتجاوز ابنهم هذه المشكلة، ولأصبح أكثر قدرة على التكيّف مع بيئة المدرسة.
إنّ دور الأهل هو الأكثر أهمية في إكساب الأبناء نمطاً لغوياً يساعدهم على التقدّم الدّراسي الطّبيعي الّذي يستحقّونه، وتأمين المخزون اللّغوي والثّقافي الذي يحقِّق للطفل التكيُّف المدرسي ويبعده عن الاستبعاد الدراسي والتعثُّر التعلّمي، ومن هنا وجب على الأهل أن يحرصوا على تأمين الجوّ الثقافي المناسب، والإكثار من استخدام اللّغة في التّعامل اليومي، فمن شأن ذلك المساهمة في نجاح التلميذ وإكسابه المعارف والمهارات والثّقة بالنّفس وتقدير المعلّمين وإعجاب الزّملاء.

Wednesday, June 27, 2012

النشاطات المدرسية: تهيئة للحياة



يقضي المتعلِّم في أيَّامنا هذه ما يتراوح  بين الأربعة عشر عاماً والثلاثين عاماً على مقاعد الدراسة.  هذه السنوات الطويلة تتطلّب جهوداً ووقتاً وصبراً وميزانية مادّية عالية. فما الهدف من هذه الجهود المضنية والأموال الطائلة التي تبذل في سبيل التعلّم؟
«لا بدَّ للتربية من أن تهيئ المتعلّمين للحياة»، هذا مفهوم التربية من منظار علم الاجتماع الذي يرى أنَّ المدرسة هي دائرة مصغّرة تعكس المجتمع، فالسنوات التي يقضيها المتعلّم في الدراسة يجب أن تساهم في جعله أكثر فهماً للحياة، وأكثر قدرة على إيجاد المكان الملائم الذي يشعره بالاكتفاء الذاتي فيها، وبذلك يصبح عنصراً مساهماً في إعمار هذه الحياة والمضي في تقدُّمها. واليوم أصبح من المسلَّمات أنّ التربية المدرسية هي العنصر الأساس الذي يؤمِّن للفرد الحركية الاجتماعية، أي إن التربية هي الأداة التي بواسطتها يستطيع الفرد تجاوز المنبت الاجتماعي– الاقتصادي– الثقافي الذي أتى منه.
إذا انطلقنا من هذا المفهوم للتربية، ومن هذا الإيمان بقدرتها على تغيير مسار حياة الإنسان، فمن المنطقي أن نتساءل:  «هل كلُّ ما يتعلمه التلميذ في مدرسته يساهم في تهيئته للحياة؟». يرى المتأمل للمناهج اللبنانية في الدراسة ما قبل الجامعية أنها تعتمد على عرض المعلومات للمتعلم دون إتاحة الفرصة له ليكون شريكاً في صناعة تعلُّمه، وقد تغيرت المناهج وتغيرت مضامين الكتب، لكنَّ التلقين بقي الأسلوب الأكثر اعتماداً في التعليم، وبقيت المضامين التعليمية بعيدة عن واقع التلميذ واهتماماته، واليوم، باتت المناهج التعليمية قديمة غير مواكبة، إذ إنَّه لم يحصل عليها أيّ تعديل منذ أن أصدرت مع أنَّ كثيراً من المعلمين والأساتذة المعنيين بها قدّموا تقارير مفصّلة ودقيقة باقتراحاتهم للتغيير والتعديل حيث من المعروف تربوياً أنّ المناهج الدراسية يجب أن تخضع للتدقيق والتعديل بناء لاقتراحات التربويين بشكل دائم، الأمر الذي يؤدي في كثير من البلدان إلى تغيير المناهج كلَّ خمس إلى ثماني سنوات.
إنّ تأخر المعنيين برسم سياسات التربية وتغيير المناهج عن مواكبة العصر، لا يعفي المعلم من واجبه في إغناء المنهج بالنشاطات التي تلبي حاجة الطالب ليواكب التعليم الحياة ويصبح أكثر متعة وفائدة، الأمر الذي يستلزم من المدراء والمنسقين تشجيع هذا التعديل في إدارة عملية التعليم، وتوفير الإمكانات اللازمة والبيئة الملائمة، وفيما يلي عرض لبعض المشاريع والنشاطات التي يمكن لمعلمي اللغات والاجتماعيات وربما موادَّ أخرى إدراجها في المنهج لخدمة المتعلم في تهيئته للحياة:
1-     إجراء دراسات ميدانية:
يجري الطلاب دراسات لفهم واقع معين من خلال تجميع معلومات عن عيِّنة بحث مختارة ويكون تجميع المعلومات من خلال مشاهدات أو مقابلات أو استفتاءات وملء استمارات. ومن المواضيع التي يمكن دراستها:
أ. مشاكل الطلاب في مدارسهم ومع أهلهم ومجتمعهم، ودراسة همومهم وتطلعاتهم.
ب‌.    أسباب التلوث في بيئة المتعلمين، وما يمكن فعله للحدِّ منها.
ج‌.     عمالة الأطفال في المحيط وأسبابه ونسبته، أو التدخين بين المراهقين.
د‌.      دراسة الآثار في القرى التي يأتي منها الطلاب وتاريخها ونظرة المعمِّرين في البلدات لهذه الآثار وكيفية استثمارها سياحياً، موضوع يجعل المتعلم أكثر وعياً وفهماً لمحيطه.
ينبغي أن يتبع دراسات ميدانية كهذه كتابة تقرير مع تأصيل نظري أو خلاصة لبعض الأبحاث المشابهة، ثم عرض النتائج التي قد تتضمن جداول إحصائية ثم تحليل النتائج والوصول إلى خلاصات، وفي النهاية يعرض التلاميذ  تقاريرهم أمام زملائهم في الصف، فذلك يجعل التعليم أكثر متعة والتصاقاً بالحياة، ويعزِّز كفايات البحث العلمي، ويساهم في تنمية مهارات التواصل والإلقاء والحوار.
2.      الإقناع بالحوار والأدلة:
يتعلم التلميذ أولاً ما هو فن الإقناع ومبادئه وطرقه، ثم يطبِّقه بمحاولة أن يقنع الآخر بوجهة نظره من خلال إجراء مناظرات صفية ومدرسية، وذلك بعد أن يتعلَّم الجدل وأساليبه. ولعل من أهمِّ النشاطات التي تتيح للتلميذ ممارسة مهاراته الإقناعية وتنميتها هي انتخابات مجلس الطلاب.

3.      التمثيل وكتابة السيناريوهات:
نشاط رائع يحرِّر فيه التلميذ طاقاته وإبداعاته، حيث يضع فهمه للحياة ويستعين بأحداث من عالمه الحقيقي وقراءاته وما شاهده عبر التلفاز، لينشئ قصَّته الفريدة، ثم يحولِّها إلى سيناريو للتمثيل مع إرشادات مسرحية، ثم يمثِّلها ضمن مجموعة مستعيناً بالكاميرات والمؤثرات الصوتية ومهاراته التقنية ليجعلها فيلماً يعرضه على زملائه.

4.      نشاطات المحادثة وخطاب الجمهور:
من خلال هذه النشاطات يتدرَّب التلميذ أمام الجمهور، سواء أكان ذلك بشكل حوار أو خطاب مهيَّأ مسبقاً أو خطاب ارتجالي أو مقابلة. أهمية هذه النشاطات أنها تنمِّي ثقة التلميذ بنفسه وقدرته على أن يضع أفكاره في كلمات بشكل منطقي حتى يعرضها على الآخر، وغالباً ما تتطلَّب هذه النشاطات مهارات تفكير عالية، فليس المطلوب هو الوقوف أمام الجمهور والتحدُّث إليه، بل المطلوب أن يعرف المتكلم أنَّ لكل مقام طريقة مخاطبة، فمثلاً إذا استلم جائزة لإنجازاته في احتفال، تكون الكلمة التي يلقيها مختلفة عن الكلمة التي يلقيها حين يتحدث في حفل زفاف صديقه، أو تلك التي يحاول من خلالها إقناع زملائه في المدرسة بانتخابه لمجلس صفِّه.

5.                تهيئة الطلاب لسوق العمل:
كلُّ طالب سيتخرَّج، وكل خرِّيج سيبحث عن عمل، فلماذا لا نكسب طلابنا هذه المهارة، التي يمكن أن تبدأ من خلال بحث التلميذ في الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية والمعارف الشخصية ومعارف الأهل والأصحاب وأرباب العمل عن الوظيفة المرجوِّ الحصول عليها. بعدها يكتب التلميذ سيرته الذاتية (Resume) ثم يملأ طلب توظيف (يوفره الأستاذ)، ويكتب رسالة طلب الوظيفة موجهة إلى المسؤول عن التوظيف (Cover letter). بعد إعداد هذه المستندات الضرورية للتقدُّم للوظيفة، يعدُّ الأستاذ تلاميذه للخضوع لمقابلة التوظيف: (نوعية الأسئلة التي قد تطرح، المظهر الخارجي، السلوك المطلوب خلال المقابلة، المستندات الواجب اصطحابها..) وأخيراً يجري الأستاذ المقابلة مع التلاميذ داخل الصف على أساس أنَّ الأستاذ هو ربُّ العمل أو المدير المسؤول عن التوظيف، فيما يكون التلميذ هو طالب الوظيفة. يشاهد بقية طلاب الصف المقابلة ويكتبون ملاحظاتهم، التي تكون محل نقاش بعد انتهاء المقابلة.
·     قد يشترك الأستاذ مع تلميذين لإجراء المقابلة.
·     قد يطلب الأستاذ من إدارة المدرسة أو بعض زملائه مشاركته إجراء المقابلات مع التلاميذ.

هذه بعض النشاطات التي يمكن إدراجها في المنهج أو الاعتماد عليها لاستيحاء نشاطات ومشاريع أخرى تخدم المنهج وتساهم في بناء الطالب، مع نصحنا بأن يراعي الأستاذ وهو يختار نشاطاته الضوابط التالية:
o      أن يخدم النشاط المنهج والمحور التعليمي إذا كان المنهج مقسَّماً إلى محاور، بحيث يبقى النشاط مستمرَّاً خلال المحور، ليصل التلميذ في النهاية إلى النتاج الكلي المطلوب.
o      أن يخدم النشاط مهارات التفكير العليا، ليتجاوز الطالب التحليل والتركيب إلى التقييم والإبداع.
o      أن تكون الأهداف وخطوات التنفيذ واضحة للطالب.
o      أن تحدَّد لكلِّ فرد من أعضاء المجموعة (في حال العمل الجماعي) مهامَّه، حتى لا يقوم طالب بعمل أكثر من غيره.
o      أن لا تعرض المشاريع الطويلة والمتطلِّبة مرَّة واحدة على الطلاب فيصابوا بالإحباط، بل يجزِّئ الأستاذ النشاط إلى عدة مراحل، وفي نهاية كل مرحلة يقدِّم التلميذ جزءاً من النشاط الكليّ.
هذه مقترحات تجبر نقص المناهج، وتساهم في تعزيز عملية التعلُّم الناشط، وتحاكي الحياة من غرفة الصف، وتساعد الطالب على الدخول في معترك الحياة بكفاءة.


Tuesday, March 27, 2012

4th Annual Conference for ERC: Education for Innovation

 The 4th annual conference, Education for Innovation was held in Brumana, Lebanon on March 24 and 25, 2012. My paper presentation included the theoretical background for project-based teaching, in addition to a sample project-at-work that facilitates students' acquisition of necessary academic skills in a real life context where students enjoy the learning process, socialize and collaborate, laugh, touch, feel... while learning. From my personal experience, project based teaching increases students’ engagement and self efficacy, and decreases behavior problems and the students' affective filter, all of which are essential for optimal learning conditions.  Teaching through projects can be applied at all levels of the educational hierarchy.
The conference, held on March 24 and 25, 2012, allowed for interaction and exchange of experiences with prominent figures in the field of education and innovation from Lebanon and across the world

Sunday, February 26, 2012

لياقات تنشر الحب والرضى عن الذات

مقالة نشرت في مجلة "جنى" - شباط 2012    


عديدة هي التصرفات الاجتماعية التي تدلُّ على لياقة صاحبها ورفيع خلقه السامي، وهي سلوكيات سهلة التطبيق ولا تتطلب مجهوداً، لكنها تعكس روحاً إيجابية ورضىً عن الذات، وتشعر الآخرين بالفرح، وتبعث فيهم المشاعر الإيجابية. وإذا لم تكن هذه التصرفات جزءاً متجسِّداً من سلوك الفرد في حياته اليومية، فإن بإمكانه أن يجعلها كذلك بالممارسة الواعية والإرادة المصرَّة على تطوير الذات. وهنا أقترح بعض اللياقات التي تساهم في خلق قيم المحبة والصفاء والاحترام في العلاقات بين الأفراد. ابتسم للأطفال والعجائز، لأهلك وأصحابك، لمن تلقاه في الطريق أو تصادفه في الحافلة.. ابتسم لمن تحب ومن تكره، لولدك وتلميذك، لجارك وزميلك. ابتسم، وإن وجدت أن الابتسامة غير ملائمة، فعلى الأقل تخلَّص من نظرة المكتئب المهموم والمنزعج عند ملاقاة الآخرين، ولا تقطِّب جبينك وتشدَّ عضلات وجهك، واعلم أنَّ عند الآخرين مثلك أحزاناً وهموماً، ولا أحد يحب أن يلتقي من كان عابساً كئيباً. تعاطف وتفهَّم، فإذا رأيت طفلا يبكي أو يصرخ ويعاند، فلا تنظر إلى أمِّه نظرة عتب أو غضب، ولا تشعرها بأنَّ عليها التخلص من سلوك هذا الطفل "الغول" الذي أنجبته إلى هذه الدنيا. قدِّم المساعدة، وإذا لم تتمكن، فلا أقل من نظرة تعاطف وتفهُّم بأن الأولاد يمرون بلحظات كهذه.
قف ليجلس من هو أكبر منك، فإذا كنت جالساً في عزاء أو عرس أو في محطة باص ووجدت عجوزاً متعباً أو امرأة حاملاً أو أمَّاً تحمل طفلاً، فقدم لها مكانك لتجلس فيه. 
لا تقاطع متحدثاً حتى ينهي حديثه،  ولا تحتقر فكرة متحدث أو تقلل من قيمتها، وأصغ إلى متحدثك بدلاً من أن تشغل بالك بما ستقوله فور انتهائه.
أوقف سيارتك إن كان بإمكانك لتسمح للمارة بعبور الطريق.
ثقافة الشكر قيمة يجب أن تحافظ عليها سلوكاً دائماً في حياتك، فابدأ طلبك من الآخر بـ"اعمل معروفاً" وأنهه بـ "شكراً"، سواء أكان ذلك في مكان عملك أو مع  البائع أو عند طلبك من ابنك أو زميلك أن يعطيك كوب الماء، أو من أمِّك أن تحضِّر لك سندويشاً.
اتصل شاكراً، فإن عرفت أن أحدهم أسدى إليك خدمة في غيابك، كأن يوصي بك لوظيفة أو يعطي شهادة إيجابية عنك، فاتصل به واشكره، وادع له في ظهر الغيب، فإنك بذلك تحقق رضى نفسك، وتفي هذا المحسن بعضاً من جميله، وتكون مساهماً في حثِّه على فعل الخير.
اعتذر إن اقترفت خطأ في حقِّ آخر، وليكن اعتذارك فور تنبهك لخطئك، ولا تَظُنّنّ أن الاعتذار دليل ضعف، بل إنه يعكس قدرتك على مواجهة خطئك.
أبق الباب مفتوحاً وساعد من يأتي بعدك حين تدخل إن كان وراءك من يريد الدخول.
أزل الحرج وبادر بالمساعدة حين تشعر أن شخصاً يمتنع عن إخبارك بما يريد نتيجة حرج أو خجل، ساعده على التحدث بما يحرجه بدلاً من أن تتجاهله أو أن تصمت، لأنك بذلك تزيد من حرجه.
ساعد زوجتك فاحمل عنها طفلك بدلاً من أن تحمله وحدها، وافتح لها باب السيارة، إن كانت هي من يحمل الطفل، وساعدها في ترتيب البيت وتحضير الطعام وتحميم الأولاد، إذ مهما صعب عملك خارج البيت، فإن الأعمال المنزلية أصعب.
لا تزاحم الناس في المتجر والمصرف و المطار والدوائر العامة، فمن حقِّ من جاء قبلك أن يحصل على الخدمة قبلك، ووقت الآخرين ضيق وثمين، كما الحال معك.
التمس الأعذار للآخرين بدلاً من انتقادهم، فجارك الذي لم يلق عليك السلام صباحاً، قد يكون شارداً في همِّ تدبير قسط ولده الجامعي الذي يفوق راتبه بخمسة أضعاف! وزميلك في المكتب لم يحضر الأوراق التي طلبتها منه، لا لشيء إلا لأنه نسيها، و النسيان أمر وارد عند كل إنسان.
كن إيجابياً ولا تتأفَّف وتعامل مع مشكلاتك بوعي ومسؤولية. شارك مشكلتك، إن شئت، مع من تثق برأيه وحبِّه، فذلك يخفِّف وطء المشكلة ويساعد على تلمُّس الحلِّ. كن إيجابياً ولا تترك لدى الآخرين انطباعاً سلبياً بكثرة شكواك وتذمُّرك، فإنَّ من شأن ذلك أن يجعلك شخصاً بغيضاً، ينفر منه الآخرون، ولا يبقى له من الأصحاب إلا أولئك الشكاة المتذمرون.
وأخيراً، اعلم أن السلوكيات الطيبة تنتج عن أصحاب القلوب الطيبة، وأن ممارسة السلوك الإيجابي وتعويد الذات عليه يساهم في جعل القلوب أكثر ليونة ومحبة وصفاء، ويساعد في التعايش مع الآخر وتقبّله وحبِّه.

Sunday, February 5, 2012

التفكير الجماعي" و فخ التقليد"


التفكير الجماعي فخ تقع فيه الأفراد والجماعات وحتى الأمم عندما تجد نفسها توافق على ما يطرح عليها من أفكار وقبول هذه الأفكار وربما المساهمة في نشرها والعمل بمضمونها دون اخضاع هذه الأفكار للمراجعة والتفكير والتأمل إن كانت صحيحة ذات قيمة أم لا. ويكون ذلك لأن المتلقي ليس لديه فهم شامل لما يتعرض له أو قدرة على نقده أو، وهو الأمر الأخطر، لضعف هذا المتلقي، فالفكرة المطروحة فكرة القوي، لا تُنقد ولا تُعارض، والضعيف تعوّد على التلقي والطواعية، ولأنه لا حول له ولا قوة، فهو أدنى من أن يعارض أو يرفض.
وفي كل الأحوال، التفكير الجماعي خطير على المستوى الشخصي للفرد وعلى المجتمع، لأن الشخص قد يخضع لما لا يؤمن به مما يرتب عليه القيام بأعمال لا يؤمن بها حتى اذا كانت مؤدية إلى ما هو خطير، وذلك إما لأنه متلقيا سلبيا اعتاد استهلاك ما أنتجه الآخرون من أفكار وسلوكيات أم أنه "متماشيا مع التيار" لا يريد عناء التفكير والانتقاد والانتهاج والتجديد، وبذلك يصبح الفرد جزءا من كتلة متلاحمة صلبة تفكّر سويا ويوافق إحداها الآخرين على كل ما هو خير أو شرّ، على ما هو صحيح أو خطأ.
وهذه الحال نراها كثيرا بين الأصدقاء وفي العائلات والجمعيات والمؤسسات فتسمع حكما من أحد أفراد دائرة معينة ثم تسمعه من أفراد آخرين فيصبح للكتلة الواحدة رأيا وموقفا موحدا، وهذا أمر محمود إذا كان ذلك الحكم صائبا ناضجا حكيما ومرنا ، أما إن لم يكن قابلا للتعديل أو التصحيح مع تغير الظروف أو تجدد المعلومات، تصبح هذه الدائرة كتلة صلبة لا يخرقها الخير وإن خرقها فلا تأثير له، وهكذا تصبح دائرة محكمة الاغلاق يصعب ادخال ما هو جديد إليها أو مناف لمعتقداتها ومفاهيمها.
ومن الأمثلة الحياتية للتفكير الجماعي التي عاينتها حين كنت بين مجموعة تتألف من عدة أفراد وقد جاءنا خبر وفاة طفلة دهستها سيارة. أسف الجميع لموت الطفلة وعبّروا عن حزنهم وألمهم ودعوا أن يمنّ الله على أهلها بالصبر، لكن واحدة من بيننا ألقت باللائمة على أم الطفلة قائلة: "... وأين كانت أم البنت؟ وكيف ترسلها الى الطريق لوحدها؟" وافق الجميع على أن السبب في موت الطفلة هو اهمال أمها لها ليتبين لنا لاحقا أن الأب هو من أرسل الصغيرة لتشتري له علبة سجائر من الدكان.
والتفكير الجماعي قد يكون سببا لا في مجرد حكم خاطىء على فرد ما، بل يتجاوز ذلك ليدمر مؤسسة عامرة، بل وأمة بأكملها ذات حضارة تمتد في عمق التاريخ. ومثال على ذلك هلاك العراق ودماره، ففي تموز 2004 نشرت فوكس نيوز Fox News  تقريرا خلصت فيه الى أن الاستخبارات العالمية عانت من التفكير الجماعي الذي أدّى الى فرضية امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، هذه الفرضية حسب تصريح السناتور الأمريكي بات روبرتز امتدت الى حلفاء الأمريكان ودول أخرى وسببت ما كان في العراق.
ومن المهم الاشارة هنا الى أن الفرد الذي يبني خياراته على منطلقات منطقية وعقلانية بدلا من الانصياع وراء الأفكار المُنتجة الجاهزة، كثيرا ما يجد نفسه في عزلة عن الآخرين حتى يصبح هذا الفرد ضمن أقلية مستبعدة اجتماعيا، ويعود ذلك، من منظار كرونباك Cronbach  عالم النفس الأمريكي، إلى أن العاطفة، لا المنطق، غالبا هي الدافع للخيارات التي يأخذها الأفراد حتى وان كانت مبنية على مبادىء وقيم دينية أو اجتماعية أو أخلاقية. إضافة إلى ذلك أن السواد الأعظم من الناس هم أشخاص مطواعين لما يمُلى عليهم من قيم ومواقف وشعارات دون تردّد أو تساؤل. ولذلك فالشخص العقلاني لا يجد لنفسه مكانا في محيط العاطفة والطواعية هي الأساس لاتخاذ القرارات.

ومع ذلك على الفرد أن يتصرف بمسؤولية واحترام لذاته والآخرين فلا يكون متقبلا ساذجا ومتلقيا سلبيا لا تأثير له على ما يُطرح عليه ولا قدرة له لأن يغير بل أن يكون منفتحا ليقبل الطروحات فقد يكون فيها الخير والصواب لكنه بنفس الوقت يتوقع الخطأ ولذلك يزنها بناء لمعايير واضحة سواء كانت علمية أو أخلاقية أو دينية. وفي حال الخطأ، من واجبه الأخلاقي والقيمي أن يرفضها وأن يسعى للتغيير والتصويب والتعديل والاّ كان مساهما في إعادة انتاج الشر ونشره وتفشيه، بل ونموه في هذه الدنيا ليطال الآخرين كم لا بد من أنه سيطاله إما مباشرة أو من خلال أحبابه وأولاده وأحفاده.