Showing posts with label Arabic. Show all posts
Showing posts with label Arabic. Show all posts

Thursday, June 4, 2026

حين يرحل الأحبة

تقرأون هذا النص في العربي الجديد

دار حديث بيني وبين ابنتي الطبيبة، أخبرتني فيه أنّ أكثر ما يؤثّر فيها في الحالات الطبية المُستعصية ليس المرض في حدِّ ذاته، بل أثره على عائلة المريض وأحبّائه. قالت لي إنّ وقع الألم الحقيقي يبدأ حين يمتدّ المرض إلى قلوب من يحبّون المريض، إلى خوفهم وعجزهم وترقّبهم. 

وذكرت لي ارتباك الفريق الطبي وهو يبحث عن كيفية إخبار أبٍ بحقيقة مرض ابنه الوحيد، وقد شُخّص بمرض عضالٍ. كيف يخبرونه بذلك وقد جاء هذا الابن بعد سبعة عشر عاماً من الانتظار والدعاء والعلاج؟ كيف ستتلقى الأم الخبر؟ من سيخبرهما؟ وكيف؟ ومتى؟ وأيّ كلمات يمكن اختيارها لتخفيف وطأة النبأ العظيم؟ 

لم يفارقني هذا المعنى، خصوصاً بعد استشهاد شاب من بلدتي. في الأيّام الأولى بعد استشهاده، سكنني حزن ثقيل لازمني، ليلاً ونهاراً، رغم بعدي عن بلدتي وأهلها. وأنا على يقين لا يخالطه شك أنّ الشاب الشهيد عند ربّ رحيم، رؤوف به، مُكرّم كما وعد الله الشهداء، لكنّ القلب يتألم للفقد، ويتوجّع للغياب. 

لم أحزن لرحيل شاب من خيرة شبابنا فحسب، بل على الفراغ الذي تركه في قلوب من أحبّه، وقد أحبّه كلّ من عرفه. 

من يفقد غالياَ، لا يفقد شخصًا فحسب، بل يفقد جزءاً من حياته معه

استحضرت وجه والدته، التي لا أشك أنّها صابرة محتسبة، أيّ قلب يحتمل غياب ولد بارّ، رقيق السمت، حاضرٍ بكلّ حنّو كلّما نادته؟ كيف ستعتاد البيت من دونه؟ كيف لوالده أن يعتاد غياب من كان يرى فيه ثمرة تربيته والحرث الصالح الذي يحمد الله عليه كلما رآه؟ كيف لإخوته أن يستيقظوا كلّ صباح، وأوّل فكرة تُراودهم أنّ أخاهم القدوة والسند ليس بينهم؟ وكيف لجدّته أن تتحمّل هذا العذاب، وهي التي كانت ترى ملامح ابنها في وجه حفيدها؟ كيف لها أن تنتظر خطواته التي لن تأتي؟ كيف لقلبها المُتعب أن ينتظر سلام حفيدها وطلبه لرضاها؟ كيف لها أن تتحمّل رؤية الأسى على وجه ولدها الذي خسر فلذة كبده؟ كيف لأصدقائه أن يعودوا إلى نشاطاتهم وقد غاب عنهم من كان في كلّ نشاط شعلته، وفي كلّ حديث بهجته، وهو المعروف بلطفه، ودماثة خلقه، ومحبّة الناس له؟ وكيف؟ وكيف؟

الثقة بالله عظيمة. نؤمن أنّ الشهداء مكرّمون في عليين، وأنّ الله خصّهم بفضل ليس لغيرهم. نؤمن بشفاعتهم، وبرحمة الله التي تحفّهم، وبالخير الذي يصل إلى أهلهم. لكن الفقد موجع، والمصاب جلل، ووقع الغياب على الأحبّة لا يوصف بكلمات ولا يقدّر بثمن. 

فيا رب، لنا عندك شهيد، صبّر أهله ومحبيه على فراقه، وأعن من خسر عزيزاً على مرارة الفقد وثقل الغياب.

ولعلّي الآن، أمام هذا الحدث الجلل، قد فهمت ما تقصده ابنتي. فالألم لا يقف عند الحدث نفسه، بل يمتدّ إلى قلوب المحبّين. المرض لا يصيب المريض وحده، والفقد لا يأخذ الشهيد وحده، بل يترك أثره في كلّ قلبٍ أحبّه، من يفقد غالياً، لا يفقد شخصاً فحسب، بل يفقد جزءاً من حياته معه.

x

Wednesday, November 19, 2025

غزّة والحقيقة التي نخاف الاعتراف بها

تقرأون المقال في العربي الجديد 

طالما كتبتُ عن صمود أهل غزّة وقوّتهم وجبروتهم في مواجهة آلة الطغيان الإسرائيلي، واستشهدت بما رأيته على وسائل الإعلام التي أضاءت ذلك الجانب الجبّار من الشعب الفلسطيني، وأظهرت الوجه الذي أشعرنا بالعزّة والفرح واقتراب النصر. 

ولكنّنا مؤخراً صرنا نرى ذلك الإنسان المقهور الذي يتعمّد عدّوه إذلاله بحجب أدنى وسائل العيش عنه، ليظهره ضعيفاً مُنهكاً، يقف في طوابير طويلة لا تنتهي لعلّه يحصل على حفنةٍ من طحين لا تسدّ رمق طفلٍ واحد من عائلته. بتنا نسمع عبر الفضائيات عباراتٍ تعكس قهر أم تهمس بصوتٍ خافت: "معنّاش أكل... معنّاش شي نشتريه"، أو صرخة أبٍ ملكوم: "مفيش شي نطعميه لأولادنا". 

هذا التحوّل في الصورة الإعلامية لأهل غزّة صدمني في البداية. كنت أرى الغزيّ صلباً، لا يضعف ولا ينكسر أمام أعتى آليّات الحرب وأشرسها. كنت أشعر بشيء من الراحة كلّما رأيته صامداً، لا تفتر عزيمته مهما اشتدّت عليه المُحن. لكن الحقيقة مختلفة. الفلسطيني مُنهكٌ، مُتعب، أرهقته الحرب، والقلّة، والجوع، والعزلة، والخذلان. جراحه عميقة، وخسائره لا تعوّض، يصمد ويصبر لأنه لا يملك سوى ذلك. هذا هو الواقع، وهذا ما علينا الاعتراف به. 

فهل نحبّ أن نرى الغزيّ قوياً لنعفي أنفسنا من عبء التعاطف مع الحقيقة التي يعيش؟ هل تحمينا صورة الصمود تلك من مواجهة عجزنا، فتبقينا على مسافةٍ آمنة من الآلام والمعاناة؟ هل هذه هي طريقتنا للهروب من مسؤوليتنا تجاه شعب أعزل، يربطنا به التاريخ، والجغرافيا، والدين، والإنسانية؟ 

نحن المُتفرّجون على المعاناة، المُراقبون من مسافاتنا البعيدة الآمنة، الجالسون في بيوتنا الدافئة، نخاف الاعتراف حتى لذواتنا بخوفنا وعجزنا. نعوّض ضعفنا بالتصفيق لصور الصامدين، ونتخذ من تصفيقنا هذا قناعاَ لضعفنا. 

هل يحتاج من أتعبته الحرب لمن لا يملك القوّة ليواجه نفسه ويعترف بمصاب أخيه؟ وهل نحن فعلاً قادرون على دعم شعب جُرِّد من كلّ ما له في هذه الدنيا؟

ينهض الغزيّ رغم المصاب مُكافحاً، صامداً، حالماً. أما نحن، فعلينا خلع أقنعتنا ومواجهة هشاشتنا... فهم لا يحتاجون منا تعاطفاً وهمياً وتصفيقاً لا صوت له.

Wednesday, February 12, 2025

أهل غزة.. محن متتالية تجعلهم أكثر متانة


 

"ترامب بدّه يهجر أهل غزة"، يقولها شاب غزّي بملامحه المرتاحة، وابتسامته الصادقة أمام عدسة المصوّر، ثمّ يغرق في ضحكٍ ساخر متواصل، ويتابع "ولك أهل غزة قاعدين يحفروا بير مي، ورجعوا يبنوها من أول وجديد".

هنا تجد نفسك، بسبب براءة ضحكة المتحدّث، تبتسم، وربما تضحك لا إرادياً، ضحكة تسعدك وتبثّ فيك روح التحدّي والاعتزاز. ثمّ يجول المصوّر بعدسته ليلتقط صور دمار البيوت والخيام التي تؤوي بقايا العائلات من المطر والصقيع لتصل إلى امرأة تخاطب عدوّها من خلال مكبّر صوت الصحافي: "ذبحتونا، ماهمناش، قتلتونا، ما همناش، شرّدتونا، ما همناش"، وبكلّ طمأنينة ورضى تختم بـ "عملتوا فينا البدع، لكن الحمد لله صامدين".

هذه بعض الأمثلة التي تجعل العالم كلّه يتساءل عن سرّ هذه القوّة، وعمّا يعطي الحافز والمثابرة والإصرار لشعب لم تلتئم جراحه، ولم يستعد حياته العادية، ولم يتسنّ له النهوض من تحت الركام، بل ما زال عدّوه يطلّ عليه، بلسان رئيس أعتى دولة في العالم، بالتهديد والوعيد ليقول له: سأشرّدك من أرضك، وأتابع تشويه حياتك، والقضاء على ما بقي من عنفوانك! وفي تهديده الآن يبدو أكثر شراسة من أيّ وقت مضى، بل ويحظى بجوقة "أوبرالية" تنعق بما يقوله من تهديد لشعب خسر كلّ مقوّمات البقاء. 

ما الذي يجعل شعباً عانى كلّ هذه السنين متشبّثاً بأرضه، ثمّ شهد لمدة 476 يومًا القصف والدمار والقتل وخسران الممتلكات والأهل والأولاد والأصحاب ومصادر الرزق، يخرج من كلّ هذا الأذى ويتحدّى بلغة الواثق المطمئن أنّه لن يُهزم ولن يخضع لرغبات عدوّه مهما توعّد وتجبّر؟

في تاريخ الأمم، نجد أنّ القوي هو من يُبادر بالاعتداء على الضعيف، بدءًا من غزو الإمبراطورية الرومانية لدول أوروبية وأفريقية وآسيوية بهدف التوسّع، مرورًا بقضاء إسبانيا على حضارة الآزتك، إلى عالمنا المعاصر حيث اعتدت روسيا على أفغانستان، وأميركا على العراق، وإسرائيل على فلسطين ولبنان. في الحالات هذه، لم نشهد أنّ الضعيف طلب الحرب أو بادر بسلوكياتٍ تثير المشكلات مع الجهة القوّية، بل على العكس، دائمًا شهدنا الجانب القويّ يكتب السيناريوهات التي تظهره على أنّه صاحب الحقّ، ويصنع لنفسه عدواً ضعيفاً يظهره على أنّه مصدر الشرّ الذي يجب القضاء عليه ليجنّب نفسه، وأحياناً العالم، من شرّه. ومع أنّ هذا السيناريو لا يقنع أحداً لسذاجته وعدم واقعيّته، إلا أنّ العالم يتصرّف كالمشاهد لحلبة صراع، يصفّق للقوي المتسلّط، ويندّد بالمسالم الضعيف الذي لم يكن له رأي في الاندماج بهذا الصراع من الأصل.

ثم يُوضع ذلك المستضعف في حلبة الصراع مضطراً للدّفاع عن نفسه، فيما يستمرّ القوي بتجييش المؤيّدين له والبحث عن المزيد من الأنصار، ويتابع في صعق ذلك المستضعف ليقع مراراً وتكراراً إلى أن يصبح في حالةِ ضعف وإنهاك حتى يظنّ العالم أنه هلك، ليفاجئنا أنّه نهض من ضعفه واستعاد عافيته، بل أصبح أكثر قوّة ممّا كان عليه، ليتكرّر مشهد الصراع من جديد، وهو في كل مرّة يستعيد عافيته، وفي كلّ جولة ينهض أكثر قوّة وأمضى عزيمة من الجولة التي سبقتها. وما نعرفه في عالم الرياضة أنّ الجمهور جزء من المعركة، وأنّ التشجيع عنصر مهمّ في قوّة عزيمة اللاعبين وتحقيق فوز الفريق، إلا أنّ الفريق المستضعف في غزّة يخوض معركته من دون أن يجد من يصفّق له أو يدعم صموده، بل العالم المتفرّج في حالة نكران للحقّ الواضح لكلّ ذي قدرة على الفهم والتدبّر، وهو مع ذلك كلّه يقفز ذلك المستضعف من تحت الركام الهائل وينهض من تحت الرماد مؤكّداً أنّه صاحب الحقّ الذي لا يموت.

هكذا هو شعب غزّة المستضعف، يزداد قوّة مع كلّ جولة من جولات صراعه مهمّا كانت خسارته، إلى أن يصبح قتله صعباً، ويتحوّل القضاء عليه إلى عملية مستحيلة. وهذا ما أشار إليه المفكّر نسيم نيكولاس طالب، من أنّ هناك من يضعفهم الأذى ويصيبهم بالهشاشة، وآخرين يقاومون الأذى من دون الإصابة بالوهن والضعف، فهم أقوياء قادرون على التحمّل. أمّا الصنف الذي يفاجئنا فهو شعب غزّة الأبيّة الذي يصنع منه الأذى شعباً لا يُقهر، وقوّة لا يمنعها أيّ قهر عن التشبّث بالأرض، والتمسّك بالحياة، والقدرة على التحمّل ومواجهة الموت وكلّ أنواع التحدّي. هؤلاء الذين يصفهم طالب بالمضادين للهشاشة، يتمتعون بالمتانة، وهم ليسوا بأقوياء فحسب، بل في قوّة تتزايد باضطراد مع تزايد الأذى الذي يتعرّضون له.

وهذه الضدّية للهشاشة هي ما يجسّده ذلك الشاب المبتسم المستهزئ برئيس أعتى دولة في العالم، وتلك المرأة التي تخاطب عدوّها المتسلّط الجبار. لينضمّ إليهما من يؤكّد أنّه ليست هناك قوّة تستطيع اقتلاعهم من أرضهم، "مش احنا اللي نرحل، احنا أصحاب البلاد"، وآخر يشبه شعبه بشجر الصنوبر، "جذورنا بالأرض، تحت، تحت"، ومن هو واثق من أنّ ليس من قوّة ستقضي عليه مردّداً، "سأبقى أنا من بعد أبي، وسيبقى ولدي من بعدنا". هؤلاء من استبعدهم العالم كلّه، فاتخذوا غزّة لهم عالما، دافعوا عنها، فأصبحت حصنهم المتين، وبرجهم العالي ومصدر قوتهم وسرّ حياتهم التي لا تموت.

Friday, January 31, 2025

عندما تَحكُم السماء


تحدّد الجماعات والمؤسسات قيمها الحاكمة لتكون بمثابة الحامي لتصرّفات وقرارات أفرادها، ما يضمن عدم انحرافهم عن المبادئ والقناعات الأخلاقية، فيساهم بالتالي في توجيه جهودها ومساعيها نحو تحقيق الأهداف والرؤى التي تصبو إليها. على النقيض من ذلك، نجد المبدأ الذي أسّس له الفيلسوف السياسي نيكولا ميكيافيلي في أهم أعماله، كتاب "الأمير"، حيث يحثّ السياسيين على الوصول إلى مكتسباتهم السياسية والمحافظة عليها بكلّ السُّبل والسلوكيات المتاحة، حتى وإن تنافت مع الأخلاقيات وخرقت المقبول. هذا المبدأ هو وراء مقولة "الهدف يبرّر الوسيلة"، ذلك المفهوم البراغماتي البارد الذي يحرّك سياسات العالم وديناميكياته. 

لكننا اليوم نجد أنفسنا أمام نموذجٍ مخالفٍ بالكامل لتعاليم أحد أهم المؤسسين للفكر السياسي المعاصر. هذا النموذج استسقى قيمه من السماء وربط رؤيته بربّ السماء، فحكمت قيمٌ سماويةٌ سلوكَ وخِطط وقرارات أهل الأرض، تلك الأرض المُحَاربة من كلّ حدبٍ وصوب، فكانت رؤيتهم ربانيةً لا تزعزعها مغرياتُ وأطماع حياةٍ زائلةٍ فانية. 

هذا الارتباط الرباني يتجسّد في طمأنينة أمٍ تجمع رفات وحيدها في كيس، حامدةً ربها، مستغيثةً به أن يصبِّرها على مصابها، وفي فخر شابٍ صغيرٍ عثر على كرسيٍّ برتقاليٍّ في بيته المدمّر فاحتفظ به لأنه الكرسي الذي، كما شاهد في فيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي، جلس عليه أحد أهم المدافعين عن أرضه في لحظاته الأخيرة قبل ارتقائه. يتجسّد الارتباط الرباني في محاربين يعاملون أسرى عدوّهم المنافق الغدّار بأرقى درجات التعامل الإنساني النبيل لأنهم شرفاء، والنبل من شيم الشرفاء، فلا يستقوي نبيلٌ على أسيرٍ ضعيفٍ في حالات انكساره.

القيم التي تحكم سلوك أصحاب الأرض العُزّل هي التي تعطيهم الطمأنينة والثبات والصبر والمثابرة في مضيّهم نحو رؤيتهم. هذه القيم التي تحكم سلوك أصحاب الأرض العُزّل إنّما هي التي تعطيهم الطمأنينة والثبات والصبر والمثابرة في مضيّهم نحو رؤيتهم، وهم يعرفون يقينًا أنّ دربهم دربٌ طويلٌ وعر. لقد اختاروا لأنفسهم أهدافًا نبيلة، وأبوا إلا أن تكون سلوكياتهم وقراراتهم متسقةً معها مهما تطلّب ذلك من صبرٍ وجهادٍ في ظروف قاسيةٍ ومواجهاتٍ شرسةٍ ومصائب جليلة. في مقابل هذا النبل، يبرّر أمير ميكيافيلي وأتباعه لأنفسهم ما شاءوا من السلوكيات، حتى عَلوا في ظلمهم وجبروتهم وطوّروا أدوات وأساليب مكرهم، لتصبح اليوم لعنةً عليهم تسير بهم نحو اضمحلالهم، فتزيدهم قرباً لهلاكهم يومًا عن يوم. أما تحرير الأراضي المغتصبة، فقد بدأ بإذن الله على أيدي من صدقوا ما عاهدوا الله، من يرون أنّ الحياة والموت وجهان للوجود، فلا يخيفهم الموت لأنهم على يقين بالوعد الرباني، لأنّ الفناء الدنيوي في سبيل الحقّ ما هو إلّا بداية حياةٍ جديدةٍ ورزقٍ جديد. لا يشعر بهذه الطمأنينة سوى من حكمته قيمٌ سماويةٌ تتجاوز الأهواء والنزعات، قيمٌ تتسق وما يُرضي ربّ السماء.

هذا الاتساق والإيمان والنُّبل هو ما يثبّت يقين شعبٍ أعزل تخلّت عنه الأمم، فيعرف أنّ حربه اليوم جولةٌ من جولاتٍ كثيرة، كلّ جولةٍ تدفعه ليقترب من هدفه أكثر. يقاتل ويجاهد وكلّه يقينٌ بأن عين الله ترعاه ما دامت وجهته هي السماء، وأنّ الله سيريه جبروته فيمن اعتنق لنفسه قيم القتل والدمار والكذب والخيانة والفجور من أجل أن يحافظ على وجوده وبقائه.

Friday, October 4, 2024

ماذا يعني أن تكون لبنانياً؟

تقرأون المقال في  العربي الجديد 


أتابع وعائلتي رحلة ابنتنا إلى تركيا لتلتحق بجامعتها بعد إجازة أمضتها في لبنان، ولكنّ الرحلة كانت مختلفةً هذه المرة. أجبرت الحرب الشرسة ابنتي على السفر باكرًا قبل انتهاء إجازتها، لتغادر لبنان برًّا عبر سوريا، فالأردن، ومن هناك جوًّا إلى تركيا، في رحلةٍ مرهقةٍ وخطّ سيرٍ طويلٍ عسير؛ رحلةٌ تخللتها ساعاتٌ وساعاتٌ من الانتظار عند كل نقطةٍ حدودية. وبينما أنا في خضم قلقي خلال رحلة ابنتي، أحمل الهاتف لعلّ رسالةً تصلني فتطمئنني على اجتيازها الحواجز إلى برّ الأمان، اقتربت مني أصغر بناتي التي التحقت بالجامعة مطلع هذا العام لتقول إنها تخشى أن لا تكون قويةً مثل إخوتها لأنها تعيش في مدينةٍ آمنة، تأخذها أمها كلّ صباحٍ إلى صفوفها ثمّ تعيدها إلى المنزل آخر النهار. هي التي عاينت منذ صغرها المعاناة التي مرّ بها كلٌّ من إخوتها الذين سبقوها خلال دراستهم بسبب التوترات المتعددة التي مرّ بها بلدنا، لتصبح رحلة الطالب إلى جامعته أشبه بتوغلٍ غامضٍ وسط الأدغال: لا يعرف من أين تعترضه المصاعب ومتى تحيط به المخاطر.

استعرضت في ذهني شريط المخاوف التي مررت بها منذ صغري. ذهبت بي ذاكرتي إلى الثمانينيات، حين كنا نختبئ جماعيًا، أنا وعائلتي الممتدة وأناس حارتنا، في بيت جدّي، ذلك الحصن المتين ذو الحجارة الكبيرة، حتى جاءنا خبر وصول جنود الاحتلال إلى بلدتنا. وبحشرية طفلةٍ صغيرة، تجاوزتُ مخاوفي وخرجت إلى باحة بيت جدي، فرأيت مراكب كبيرةً غريبة، دباباتٌ في أعالي تلال البلدة تتجه نحو حيّنا، وعليها مخلوقاتٌ غريبةٌ تلبس قبعات خضراء تشبه البطيخ على رؤوسها. ومع اقتراب المراكب الكبيرة تعتليها المخلوقات الغريبة، تبين لي أنّهم بشر! لهم رؤؤس عاديّةٌ مثل رؤوس البشر، ووجوهٌ وأيدٍ وأرجلٌ، لأتيقن أنهم ليسوا مخلوقاتٍ فضائيةً ترتدي قبعاتٍ من قشر البطيخ كما رأيتهم مسبقًا.

وبعد لحظة الإدراك تلك، صرت أرى عدوّنا البشري يمارس سلوكياتٍ غير بشرية. حاصر الجنود بيوتنا وقيّدوا حركتنا ومنعونا عن مدارسنا، اقتحموا بيوتنا بهمجيّةٍ باحثين عن أيّ دليلٍ ليستخدموه ضدّ شبابنا، ثمّ اقتادوا الشباب إلى ساحة البلدة ليستجوبوهم عما لم يفعلوه ويمارسوا نرجسيتهم عليهم.

حاصر الجنود بيوتنا وقيّدوا حركتنا ومنعونا من مدارسنا، اقتحموا بيوتنا بهمجيّةٍ باحثين عن أيّ دليلٍ ليستخدموه ضدّ شبابنا

ثم مرّت السنون الطوال، وفرحنا بخروج العدوّ من منطقتنا، ورحنا نحتفل على الطرقات التي حُرمنا من السير عليها لسنوات. ولكن سرعان ما امتزجت تلك الفرحة باللوعة مما رأيناه من دمارٍ، وما سمعناه عن الألغام التي ظلّت مزروعةً في حقولنا  تقتل الأبرياء، وكأن العدو أراد أن يستمرّ في خطف أكبر قدر من الأرواح  حتى بعد رحيله ليوجع من بقوا على قيد الحياة.

وبالفعل، وحتى يومنا هذا، ما زالت أيادي ذلك العدو تعبث بحياة اللبناني ومشاعره وأمنه بافتعال خلطاتٍ عجيبة من الحروب الحامية والباردة، الناعمة الخفية والقاسية المحسوسة، فقد عانى اللبناني لعقودٍ من آثار الاغتيالات والحروب والمشكلات الداخلية والاقتصادية والتفجيرات والفراغ السياسي والثورات والتفرقة، إلى أن وصلنا إلى ما عليه الآن: قتلٌ وذعرٌ ونزوحٌ وتهجيرٌ... وتشويهٌ للحياة. وها هو التاريخ اليوم يعيد ذكريات الأمس، فلا يتسنى لنا أن نلتقط أنفاسنا بعد كلّ محنةٍ، حتى نجد البلاد والعباد وقد قذفوا في محنةٍ جديد، وكل مأزقٍ يتجاوز بحدته وأذاه المآزق التي سبقته، إلى أن أصبحت المآزق تُدار عن بعد بالذكاءات الاصطناعية لتضاعف من خطورتها وأذاها. 

مع أني أسكن الآن في بلدٍ آمن، إلا أن شبح الخوف يلاحقني في كل لحظة. أخاف على أحبائي وأصدقائي وعائلتي الذين يعيشون داخل غلافٍ من المجازر المتلاحقة، يتلمسون حياتهم بين الخراب والدمار، ينامون على أصوات الغارات ويتابعون أيّامهم على طنين طائرات الاستطلاع، لا يعرف الواحد منهم مصيره في اللحظة القادمة. وأنا هنا في أماني، يهبط قلبي كلما سمعت صوت طائرةٍ مدنية في سماء المدينة، أو جلبة آليات إصلاح الطرق وبناء البيوت، فأخجل من نفسي عندما أستذكر أن هذه الأصوات هي أضعاف مضاعفة على شعب بلدي بأكمله، ولكنها عندهم أصوات طائراتٍ وقذائف ومسيّراتٍ أعدت للدمار والقضاء على الحياة. وفي الوقت الذي لا أستطيع فيه النوم بسبب الأخبار التي لا أنقطع عن متابعتها، أعرف أن بلدي وأهله هم الخبر بذاته.

كل هذا يجعلني أتساءل: هل بالفعل يجب أن تقترن حياة اللبناني بالخوف والمشقة؟ هل تنتقص لبنانيته إذا عاش في أمن وأمان؟ وهل الدروس الحياتيّة لطالبة جامعية تظلّ ناقصةً إذا لم تكن مشبعةً بالمخاطر؟

أعود لصغيرتي: لا يا عزيزتي، لست بحاجةٍ لأن تعيشي الخوف حتى تصبحي قويّة، بل لا يستحق أيٌّ منا أن يعيش الذعر والحرمان، ولا يستحق أولادنا أن يعيشوا ما عشناه نحن سابقًا. الله كرّمنا، والحياة الحرة الكريمة الآمنة هي ما نستحقه، والهلاك، الهلاك لكل من يحاول أن ينتزع تلك الكرامة منا.

Wednesday, May 8, 2024

انتفاضةُ الجامعات... الأسباب والدوافع

تقرأون المقالة في  العربي الجديد 

فاجأنا طلابُ الجامعات الأميركية بتحرّكهم الداعم لغزّة، الرافض للمجازر بحقّها، والمُطالب بوقفِ دعمِ هذه الجامعات للمؤسّسات الإسرائيلية أو التعاون معها، بل يدعو الطلاب إلى تكوين شراكاتٍ مع الجامعات الفلسطينية، وتعزيز التواصل، وتنسيق العلاقات مع طلّابها. 

نعجب لهذه التحرّكات في الجامعات الأميركية، ويزداد عجبُنا حين نراها في الجامعات النخبوية ومعاقل التميّز و"البريستيج"، أي أنّ طلابها يتمتّعون بعيشٍ رغيد، ولا تربطهم أيّة اهتمامات بشعبٍ أعزل يُعاني كلّ أشكالِ عذاباتِ الحياة. وهذا ما يثير تساؤلاتنا حول دوافع هؤلاء الطلاب في مناصرةِ أهدافٍ إنسانيةٍ لا تقع ضمن مصالحهم، بل تتعارض ومصالح آبائهم ومؤسّساتهم والطبقة السياسية التي ينتمون إليها. أضف إلى ذلك، أنّه لا رابط ثقافياً، ولا دينياً أو جغرافياً، مع الفلسطيني الذي يهتفون من أجل تحرّره ورفع الظلم عنه، وإعادة تموضعه على خريطة العالم بعدما تناسته أكثر الشعوب التصاقاً به. 

قد نفهم ما يحصل في هذه الجامعات إذا عُدنا لنظرية "إعادة الإنتاج الاجتماعي" لبيير بورديو الذي يرى أنّ النظام التعليمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الاجتماعي، فالنظام التعليمي يعيدُ إنتاجَ طلّابه ليعودوا إلى الطبقاتِ الاجتماعية التي أتوا منها. هذا يعني أنّ المدرسة تُربّي أبناء الطبقات المسحوقة ليعودوا ويتموضعوا داخل طبقاتهم الاجتماعية، كما أنّها تربّي أبناء الطبقات البرجوازية ليعودوا ويتموضعوا فيها. ولمعرفة كيف يحصل ذلك، علينا أن نفهم دورة التعليم في هذه المؤسّسات، وكيف يتمّ بناء المعرفة وتشكيل الوعي، وذلك ما يمكن أن نرصده في ما يلي:

- إنّ تلك الجامعات المرموقة غير مُتاحة في معظمِ الأحيان لمن هم خارج نطاق الامتياز والثروة، وغالباً ما يكون طلّابها من أبناء المجموعات المهيمنة التي ورثت امتيازاتها عبر الأجيال. وبما أنّهم أفراد نخبويّون، فهم يتمتّعون بالمعرفةِ والمهاراتِ والتصرّفاتِ التي تمنحهم مزايا اجتماعية، وهم الذين درسوا في مؤسّساتٍ تستهدفُ تعزيز تفكيرهم النقدي، من خلال العديد من الأنشطة اللامنهجية التي تتضمّنها مناهج هذه المؤسّسات، فضلاً عمّا تُتيحه لهم من شبكاتٍ اجتماعيةٍ تُساهم في تعميقِ فهمهم لعالمهم وديناميكيته ومكانتهم فيه. 

النظام التعليمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظامِ الاجتماعي، فالنظام التعليمي يعيدُ إنتاجَ طلّابِه ليعودوا إلى الطبقات الاجتماعية التي أتوا منها

- ويتمتع هؤلاء الطلبة بالتعلّم ضمن مناهج تعليمية مخصّصة لذوي الامتيازات، وهي مناهج تعمل على غرس قيمٍ مجتمعية وعاداتٍ ذهنية تركز على التفكير النقدي والإبداعي والريادي، وهذه كلّها ضرورية للتعامل مع أنظمة السلطة والامتيازات، وتأهيل الطلاب لمواقعهم المنتظرة بعد تخرّجهم من جامعاتهم، تلك المواقع التي رُسِمتْ لهم، فهم يرثونها عن آبائهم، وغالباً ما يكون لهم فيها أدوارٌ تسمح لهم بالتأثير على المستوى الكلّي للأنظمة والسياسات والتلاعب بها. بتعبيرٍ آخر، هم مشاريع القادة وصنّاع القرار والسياسات في المؤسسات، سواء أكانت هذه المؤسسات اجتماعية، أم سياسية، أم أكاديمية، أم عسكرية. 

- هذا النظام التعليمي الذي يتمتّع به طلّاب الجامعات المرموقة يشجّعهم على مُساءلةِ السلطات، وتحدّي النماذج الجاهزة في المؤسّسات، ويدفعهم إلى عدم قبول الأمور كما تُقدّم إليهم. في المقابل، هناك طلّاب الطبقة العاملة الذين لا يتمتّعون برأسمالٍ ثقافي يبنون عليه تجاربهم العلمية، وكثيراً ما نراهم يخضعون لتجارب تعليميةٍ تُنمّي فيهم الطاعة والقبول، أكثر مما تصنع فيهم النقد أو الاعتراض! ويعود ذلك، بشكلٍ كبير، إلى المؤسّسات التعليمية التي يتلقون فيها علومهم، وهي مؤسّسات لا تتوفّر فيها الموارد، ولا تفتح لهم من خلالها أبواب الفرص، حيث تطغى على طرق التدريس أساليب الحفظِ والتكرار، مع فرصٍ قليلة للإبداع والتحليل والنقد وحلّ المشكلات، والتي، إنْ وُجِدتْ، تكون محصورةً في نشاطاتٍ محدودةٍ غير متجسّدةٍ في النظامِ التعليمي بشكلٍ عميقٍ ومتكامل.

هل من المقبول في عصر الاتصالات وثورات الانفتاح أن يبقى طلّاب جامعاتنا أسرى عمليةِ إعادةِ إنتاجٍ اجتماعي لا إرادي؟ 

ونعود لما يحصل في باحات الجامعات الأميركية لنرى أنّه نتاج أنظمةٍ تعليميةٍ هيّأت طلابها ليفكروا ويتفكّروا بما يحصل في العالم، وليتساءلوا عن مشروعيته ويقيّموه وينتقدوه. لذلك أخذوا على عاتقهم نصرة الفلسطيني المهمّش الذي لا تربطهم به أيّة روابط، والذي اتخذته سلطاتهم ومؤسّساتهم عدوّاً لها. إلا أنّ هؤلاء الطلاب يشتركون مع الشعب الفلسطيني في أنّهم قرّروا تبني مبادئ الحرية والمساواة والإصرار، فتشابهت أهدافهم وإن اختلفتْ منطلقاتهم.

بدأت المظاهرات المندّدة بالجرائم الإسرائيلية، المنادية بالحرّية للشعب الفلسطيني، في الجامعاتِ الأميركية حصراً، لتصل أصداؤها إلى جامعاتٍ شبيهةٍ حول العالم. لكن، هل من المقبول ألّا نرى لها مثيلاً في جامعاتنا العربية؟ هل يجوز أن يبقى طلّاب الجامعات التي لا تتمتّع بالامتياز راضخين لحتمية أنّهم لم يتلقوا تعليماً يُنمّي فيهم مهارات التفكير العليا والقيم الحياتية الكبرى؟ وهل من المقبول في عصرِ الاتصالات وثورات الانفتاح أن يبقى طلّاب جامعاتنا أسرى عمليةِ إعادةِ إنتاجٍ اجتماعي لا إرادي؟ 

هي دعوة إلى أحرار العالم وطلّاب الحرّية، لأن يكسروا القيد ويستفيدوا من تقنيات التواصل للتعلّم من تجاربِ الآخرين وخبراتهم، والتواصل مع الناجحين والتفاعل معهم، فنحن أحقّ بنصرةِ قضايانا، وحريٌ بنا أن نحارب الظلم الذي حلّ بنا وننتصر لكرامتنا، ونثورُ في وجهِ الطغاة المستبدّين أينما كانوا في العالم أجمع. 

Friday, March 29, 2024

طوفان الأقصى.. ارتقاء في الإنسانية

إقرأ المقالة في مدونات العربي الجديد 

 منذ بداية "طوفان الأقصى" ونحن نرى الكثير من ممارسات العدو وتصريحاته التي يُجرّد من خلالها ابن غزة من صفاته الإنسانية. ليس هذا بالسلوك الجديد ولا المُستغرب، بل هو انعكاس لرؤية بدأ التأطير لها منذ نكبة 1948، إلّا أنَّها تجلت في "طوفان الأقصى" ليصبح لدى العدو الذريعة لإبادة من هم ليسوا سوى "حيوانات بشريّة" كما صرح وزير الأمن الإسرائيلي يؤآف غالانت. تأتي هذه الألفاظ في زمنٍ كثرت فيه جمعيات حماية حقوق الحيوان التي تُرصد الميزانيات الضخمة لرعايتها؛ هذا الزمن الذي تتباهى فيه الأدبيات الغربية باستخدام اللغة "الشاملة" inclusive و"الصحيحة سياسيًّا" politically correct لتجنب الانحياز ضدّ فئةٍ ما أو إيذائها واستبعادها. 

لكنّ "طوفان الأقصى" جاء ليُزيح الستار عن ازدواجيّة المعايير العالمية، ويكشف قناع العدو الذي كان يُخبّئ وراءه همجيته وغيظه وفجوره، فانكشفت أكاذيبه كما لم تُكشف من قبل، واتضحت سَوءته لأحرار العالم على اختلاف ثقافاتهم وتنوّع انتماءاتهم ودياناتهم، ممن تربطهم، أو لا تربطهم، بغزة وفلسطين الأرض والدين والهوية. لكن هذا لم يكن ليقف رادعًا أمام عدوٍّ مغتاظٍ كاسر فقدَ سيطرته على ما يقول ويفعل على مرأى العالم أجمع، إلى الحد الذي دفع به لإعلانها صريحة أنّه يقاتل "حيوانات بشريّة"! لقد هجَّر العدو أهل غزة، ومنع عنهم مصادر الحياة، وأساء إليهم بأبشع الطرق، وابتكر أساليب قبيحة لاستباحة ممتلكاتهم وأجسادهم ومشاعرهم، بل إنسانيتهم.

حين يقوم طرف بتجريد الإنسانية عن شخص ما، هو يُجرّد بذلك الإنسانيّة عن ذاته بتصرّفه غير الإنساني

حين يقوم طرف بتجريد الإنسانية عن شخص ما، هو يُجرّد بذلك الإنسانيّة عن ذاته بتصرّفه غير الإنساني، فلا يستطيع أحدٌ، كائناً من كان، أن يُحافظ على صفاته الإنسانيّة في حين يسيء إلى إنسان آخر بوحشية، ولا يمكن أن نقتنع أنّ إنسانًا يطاوعه قلبه وعقله ليسرق كسرة الخبز من الأيادي الصغيرة المرتجفة، ويمنع قطرة الماء عن الحناجر الظمأى، ويحرم الرضيع من قليل الحليب الذي يُبقيه حيًّا، ويحرق سرير المستشفى تحت امرأة تضع حملها، ويقصف مركزاً بسيطاً بمن فيه من شباب متطوعين يقدمون ما أمكنهم من خدمات إسعافية لأبناء قريتهم النائية! لا يمكن أن نقتنع بأن من يقوم بهذا الإجرام إنسان مهما ساندت رؤيته جهاتٌ أو دعمت سلوكَه دول، لأن من يفعل كل ما بوسعه لإذلال إنسانٍ آخر لا يمكن أن يكون إنسانًا حقيقيًا. أضف إلى ذلك أنه يفعل ذلك بعلانيَةٍ وصراحةٍ دون أيّ تحفّظ، بل كثيرًا ما يتباهى بعض أفرداه بتلك الفعلة ويعرضها على وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها تحفة من روائعه الإجرامية. 

يضعنا هذا المشهد في صلب المعادلة التالية: هناك من يُجرًّد من إنسانيته بِفعل فاعلٍ، وهناك من يتصرف بلا إنسانية بكامل إرادة وعن سابق إصرار. وما رأيناه من الفلسطيني الذي أُجبر على المقاومة، من تعاطف مع الطرف الآخر وهو في حالة ضعفٍ، لهو قمةُ الإنسانية، مع أن هذا الطرف هو من سرق أرضه وقتل شعبه وشوّه حياته! وتجلّت إنسانيّة الفلسطيني في معاملته مع الأسرى، ولا سيما مع الفتيات والنساء والعجائز والمرضى. ففي قمة إساءة العدو الإسرائيلي للفلسطيني ووصمه إياه باللاإنسانية، وجدنا الأخير يتحلّى بتعاطف ونبل تجاه هذه الفئات الأكثر هشاشة من عدوه إلى درجة أننا نحن المشاهدين عن بُعد، وجدنا في هذا الإحسان مبالغة في بعض الأحيان. 

ما رأيناه ونراه في طوفان الأقصى هو، ببساطةٍ، ماردٌ جبارٌ يسرق إنسانية شعب أعزل، مستعينًا بقوته وقوة العالم أجمع، بينما ينتفض الشعب الأعزل من ضعف عَتاده وقلّة سلاحه مستعينًا بقوّة إنسانيته التي خرقت كل البروباغاندات لتلامس قلوب الملايين وعقولهم حول العالم، فتألموا لألمهم، وبكوا لمُصابهم، وفهموا حقيقة السردية الكاذبة التي بدأت ببدء الاحتلال. هذه هي الإنسانية التي لن تحرر الغَزِّيّ فحسب، بل ستكون النموذج الذي نأخذ جميعنا عنه الدروس والعبر، لنتحرر نحن أيضًا ونرتقي بإنسانيتنا. وأما العدو الظالم المتغطرس فأبجديات الإنسانية عنده مفقودة، ولذا طريقه طويل نحو الارتقاء إلى رُتبة إنسان.

Thursday, February 22, 2024

اللغة... ميدان حرب

إقرأ المقالة في مدونات العربي الجديد

 يصف ضيف أحد القنوات الإخبارية ما يحدث في غزة على أنه "تطهير عرقي"، فلا نعير بالًا لهذا التعبير لأننا اعتدنا سماعه، بل ربما استخدمناه نحن وكأنه التعبير المناسب لوصف حالات اعتداء قوة عسكريّة جبّارة على شعب أعزل ضعيف.

هذا واحدٌ من التعابير التي باتت تتكرّر على مسامعنا منذ بدء عملية "طوفان الأقصى"، نسمعه في نشرات الأخبار، ويتردد على ألسنة المحللين السياسيين وضيوف البرامج السياسية، ونقرؤه في الصحافة المكتوبة ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي. يعبّر هذا المصطلح الملطّف جدًا عن كمّ هائل من الممارساتٍ الفظيعة التي لا تخطر على بال بشر، وصياغته لم تأت عبثًا، إنما هي سلاحٌ من أسلحة الهجوم التي تستخدم في الحروب. أيّ إنّ المصطلح بذاته أداة حربٍ في زمن تعددت فيه ميادين الحروب. فلم تعد تقتصر على الميدان العسكري للقوة والسلاح فحسب، بل تجاوزته لتشمل الميادين الاقتصادية، والثقافية، والإعلامية، والتربوية، واللغوية.

إنّ استخدام اللغة الملطفة للتعبير عن السلوكيات الإجرامية ما هي الا أسلوبٌ خبيثٌ لتغليف الحقيقة، ووسيلةٌ ماكرةٌ توحي بأن الواقع أقلّ فظاعةً مما هو عليه بالفعل. ففي كثيرٍ من الأحيان، تُصاغ التعابير بمسحةٍ تميل إلى الإيجابية، فيتحول من خلالها الهجوم الهمجي الشرس إلى "تطهيرٍ للعرق"، مصطلحٌ يفترض أن يشير إلى قتل الأبرياء العزل، وسفك دماء المدنيين، وتشويه حياة من بقى منهم عبر تجويعهم وقتل عائلاتهم وتدمير مأواهم وبتر أطرافهم ثم منعهم عن العلاج بتدمير مستشفياتهم واستهداف أطبائهم، ثمّ إهانتهم وإزالة صفات الإنسانية في الحديث عنهم.

باستخدام أساليب بسيطة، تستبدل الصورة الذهنية الحقيقية بصورة أكثر إيجابية وإنسانية. فعندما يعتاد المشاهد سماع مصطلح "التطهير العرقي" في المقابلات التلفزيونية والإذاعية وفي التحاليل السياسية المسموعة والمقروءة، تتكون لديه صورةٌ للمكان المراد تطهيره على أنه أرضٌ مدنّسةٌ بسبب عرق ما، ويتحول المعتدي إلى بطلٍ لا يملك إلا أن يشنّ حربًا لتطهره من دنس هذا العرق. وبذلك إيحاءٌ بأن المعتدي شريفٌ يقوم بعملٍ نبيلٍ يدافع به عن نفسه وأرضه، بل وقد يتمادى في نفاقه ليخبرنا أنه في حربه يجاهد ليعلي كلمة الحق، وهل هناك من هو بحاجة للتطهير أكثر ممن تملّكه الحقد فشرع في إبادة كل أشكال الحياة والعمران وقتل شعب بأكمله؟

إن الأكاديميين والإعلاميين وصنّاع المحتوى ملزمون أخلاقيًّا بتقديم النموذج الواضح الدقيق في استخدام اللغة لتعبر بدقة عن الواقع

وللتخفيف من الصورة الحقيقية لما يخلفه المعتدي الظالم من سحق للبنى التحتية والمعالم العمرانية والمؤسسات والبساتين والأشجار المعمّرة وجميع مصادر رزق الناس وتلويث مياههم وقتل الغفير منهم، يستخدم مؤيدو الغاصب عبارة "آثار جانبية"، وكأن كل هذا الدمار والخراب جاء عن طريق الخطأ ودون أي تعمد، بل هو ضريبةٌ صغيرةٌ يتكبدها "المُطهّر العرقيّ" جزاءً له على عمله التطهيريّ النبيل؛ وهذه هي الصورة المراد ترسيخها في ذهن المستمع والقارئ. يحجب هذا الاستخدام المعنى الصحيح للعمل الشنيع الذي قام به المعتدي، فيلطف حدّة الآثار المأساوية التي لحقت بالمواطنين وممتلكاتهم وأساسيات حياتهم، ويعمل على تقزيم المعاناة والعذاب الذي سببه لهم  الاعتداء المسلح غير الإنساني.

وأما وصف العلاقة بين طرفين متخاصمين على أنها "صراع" دائرٌ بينهما، ففي ذلك إيحاءٌ بعدم تجانس الطرفين بسبب اختلاف أفكارهم، أو أهدافهم، أو اهتماماتهم. وفي حالات "الصراع" هذه، هناك قابلية للتدخل والإصلاح وبناء السلام بين المتصارعين، بينما الواقع هو أن المحتل، المعتدي، الغاصب، صاحب السلاح المدعوم من أقوى قوى العالم، قد سرق أرض شعب فحرق زيتونها واستباح بساتينها وفجّر بيوتها ودمر مؤسساتها، وسجن من سجن وقتل من قتل وبتر من أطرافهم ما استطاع وحرم من بقي حيًّا من أولادهم و آبائهم وأقرانهم، وانهال عليهم بالصدمة النفسية تلو الصدمة النفسية، فطبع في أذهانهم مشاهد وحشيّةً لن يشفوا منها ما داموا على قيد الحياة.. بالأحرى، فقد حاول منع بوارق الأمل كلها عنهم.

لا نستغرب هذه اللغة المليئة بالكذب والإيحاءات الصادرة عن غاصبٍ أو داعم له، فمن خان الحق والإنسانية والقيم، لن يرف له جفن إذا كذب، بل من المتوقع منه لا أن يكذب عندما يتحدث فحسب، بل أن يفجُر عند المخاصمة. وعليه، فإنّ الأكاديميين والإعلاميين وصنّاع المحتوى ملزمون أخلاقيًّا بتقديم النموذج الواضح الدقيق في استخدام اللغة لتعبر بدقة عن الواقع، وأن لا يشرعوا في تكرار ما يقدمه الآخرون من مصطلحات وتعابير دون فحصها والتأكد من دقتها  لتعكس الحقيقة والواقع، وعلى الجمهور المتلقي أن لا يقبل إلا أن يقدم له ما هو صادق خال من الكذب والخداع.  

Wednesday, February 14, 2024

تعزيز النزاهة الأكاديمية في المؤسسات التربوية

 تأليف: سهام العموش و آمال فرحات

نشر في:  28 كانون الثاني 2024 في موقع مبادرة الشرق الأوسط/جامعة هارفرد

ترجمة: وفاء السكران

مراجعة لارا الخطيب

النزاهة الأكاديمية: المعنى والتعريف

تعرّف منظمة المقاييس والجودة للتعليم الثالثي الاسترالية (TEQSA) النزاهة الأكاديمية ب” ضرورة عمل المعلمين، والطلاب، والباحثين، وجميع أعضاء المجتمع الأكاديمي بما يتفق مع الأمانة، والثقة، والعدالة، والاحترام، وتحمل المسؤولية“. وبالرغم من ذلك، فإن النزاهة  ليست حصرا على المجتمعات الأكاديمية؛ الجميع ملزم، في مرحلة ما أوأخرى من حياتهم، باتخاذ خيارات أدبية أو أخلاقية نبيلة. وقد يسبب هذا الالتزام ضغط على الفرد، حيث أن الاختيارات الأدبية والاخلاقية قد لا تكون مفيدة على الدوام وقد تتعارض مع الأهداف الشخصية.

قيم النزاهة الأكاديمية

تتضمن النزاهة الأكاديمية مجموعة من المبادئ والقيم التي تتطلب منا التصرف بحس المسؤولية، والعدالة، والأمانة، والاحترام (TEQSA 2021). وهذا يعني أن تنهج حياتنا المهنية نهج الأخلاق، ويكون لدينا الشجاعة الكافية لاتخاذ الخيارات الصحيحة، والتصرف بشكل مشرف كعضو في مجتمع. وتدور النزاهة الأكاديمية حول شخصياتنا وكيف نتصرف في المواقف الحاسمة بالرغم من الضغوطات الممارسة علينا.

لماذا النزاهة الأدبية مهمة؟

يعدّ الالتزام بالنزاهة الأدبية في المؤسسات أمرا حيويا حيث أنه يؤكد على العمل المستند إلى الأمانة، والثقة، والاحترام ويضمنه. كما وتعتبر النزاهة الأكاديمية عنصرا حيويا في سلسلة الإمدادات للواجب الأخلاقي في مؤسسات التعليم العالي. ويبني الالتزام بمعايير اخلاقية عالية الثقة بين الأطراف المعنية المختلفة في المؤسسة التي تضمن مصداقية الدرجات والمخرجات الأكاديمية الأخرى للمؤسسة. وكذلك، يعزز بيئة يركز فيها الطلاب، والباحثون، وكافة الأكاديميين على التعلم الحقيقي الذي يعدّ ضروريا للمؤسسة كي تنجح و تكتسب السمعة الطيبة والثقة. ولا ننسى أنه عندما تكون قيم النزاهة الأدبية ذات أولوية، يصبح من المرجح أن يكتسب الطلاب والأكاديميين القيم التي تحفز سلوكياتهم ليس فقط داخل المؤسسة لكن في الأدوار المختلفة التي يؤدونها في حياتهم، والذي بدوره يساعد في ارتقاء مواطنين ذوي أخلاق في الأمة بوجه عام. ومن المرجح أن ترتبط العدالة والمساواة بثقافة المؤسسة. وهذا يضمن أن يحصل الجميع على فرص متساوية و يعاملوا بعدالة.

إنشاء بيئة للنزاهة الأكاديمية

يجب أن يكون المعلمون استباقيي الفعل وليس ذوي ردة فعل في هذا النطاق. ومن الممكن رؤية ذلك في خلق الفرص للنقاش وحل المشكلات قبل ظهور المشكلات والتحديات، وفي إتاحة الوقت لإيجاد خيار مناسب للرد. التالي بعض الممارسات التي قد تدعم تعليم النزاهة الأكاديمية للطلاب وتطبيقها:

  • ابدأ بتعريف المبادئ الأساسية الستة للطلاب حول الأمانة، والاحترام، وتحمل المسؤولية، والعدالة، والجدارة بالثقة، والشجاعة- أو ما يسمى بالقيم العالمية.
  • بالتعاون مع الطلاب والمتبقي من الطاقم التدريسي، عرّف السلوكيات التي تتفق مع القيم المحددة. إحدى الطرق للقيام بذلك كتابة القيم على الجهة اليسرى من ورقة كبيرة الحجم. أضف عمودين، أحدهما للطلاب والآخر للطاقم التدريسي، حيث يحددون السلوكيات المطلوبة، في العمود المخصص لهم، للالتزام بكل قيمة. ويجب على المشاركين مناقشة أهمية تعريف القيم والسلوكيات وكيف يؤثر هذا على عملهم وعلاقاتهم. 
  • أنشئ قواعد سلوك اجتماعية للسلوكيات المرجوة. ويعمل هذا كإطار عمل فعّال للتربويين والطلاب على حد سواء. أولا، يتيح للمعلمين فرصة تحديد وجهات النظر المشتركة للتوقعات الرئيسية و يشجع على السلوك الأخلاقي عندما يتشارك جميع الأفراد فهم ضمني لما هو صواب. بالإضافة إلى ذلك، سيدرك الطلاب أن خرق هذه القيم غير مقبول حتى بين الأقران.
  • ابدأ نقاش غير تزامني عن بعد واتبعه بمناقشة صفية. وقد تشجع رسالة تذكيرية جيدة التوقيت ممارسات الطلاب وتحفزها في كل مهمة أكاديمية، سواء كان ورقة بحث أو نشاط تقييمي. وبالإضافة لذلك، قد يكون من المفيد للطلاب تأمل هذه القيم بعد إنهاء مهامهم لمناقشة ازدياد فهمهم الضمني للقيم في ممارساتهم وازدياد تطبيقها، وبالتركيز على كيفية تغيرهم، و ما هي المعوقات التي واجهوها، وما هي المخاوف التي لديهم. وبالنتيجة، يستطيع الطلاب اقتراح تعديلات على الممارسات وبذلك يتجهون للقيم بشكل أفضل. قد يكون هذا ذو فائدة كبيرة نحو اتفاق جماعي. 
  • يعدّ الإبقاء على ممارسة هذه القيم للمعلمين أمرا ضروريا، ذلك يجب أن يمثل التربويون نموذجا للسلوكيات المأمولة من الطلاب. يضع هذا معايير للطلاب و يمنحهم  فرصة لرؤية السلوك المطلوب.

خلاصة القول فإن المعلمون مسؤولون عن خلق ثقافة للنزاهة الأكاديمية التي تسهل تعلم الطلاب و تضمن أن الدرجات التي يحصلون عليها تعكس مستواهم الحقيقي وأن الشهادات هي انعكاس معرفتهم وقدراتهم.

تعزيز النزاهة الأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي (AI) 

مع التطور الهائل في أدوات الذكاء الاصطناعي و سهولة استخدام الطلاب لها لتكوين الواجب المدرسي، أصبح من الضروري خلق ثقافة النزاهة بين الطلاب ومساعدتهم على المشاركة في ممارسات تنطلق من القيم العالمية المحددة مسبقا. يحتاج التربويون مناقشة الطلاب حول نقاط التقاطع بين النزاهة الأكاديمية وفائدة أدوات الذكاء الاصطناعي، وما السياسة التي من الواجب الالتزام بها عند القيام بكل وظيفة مدرسية أو مهمة أكاديمية. و كممارسة فضلى، يجب أن يبدأ المعلمون المنهاج وشرح لطلابهم الى أي درجة يسمح لهم استخدام الذكاء الاصطناعي، و كيفية ربط استخدامه بالنزاهة. ويجب إعادة النظر في  هذه السياسة و مناقشتها قبل كل مهمة مدرسية.

لتحديد إذا كان باستطاعة الطلاب استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي للقيام بمهمة مدرسية، فيجب أن يربط المعلمون معايير المهمة المدرسية بأهداف التعلم و توضيح ما يمكن أن ينتجه الطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويجب شرح معايير التقويم والأخذ بعين الاعتبار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وقد يطلب من الطلاب تأمل عملية القيام بالمهمة الدراسية كخطوة إضافية. يمكن أن يساعد تطبيق تأمل العملية كممارسة الطلاب على التفكير الناقد حول أعمالهم الخاصة بهم و الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي أثناء العملية.

بالإضافة الى وضع سياسة و توقعات متعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي بوضوح كبير، فإنه من الضروري أن يحدّث المعلمون منهجيات التدريس لديهم وأن يبتكروا مهام مدرسية تعزز تجربة تربوية هادفة للطلاب وذلك لأنهم لا يمكنهم الاعتماد بشكل كلي على الذكاء الاصطناعي. التالي بعض التوصيات المفيدة في هذا الصدد:

  • تطبيق التعلم المبني على المشاريع ليمارس الطلاب مهارات التفكير العليا.
  • تضمين تأمل الطلاب للنتاجات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي.
  • دمج عنصر التأمل الذاتي في تقويم الطلاب.

وأخيراً، من الضروري تقييم الطلاب بناءا على العملية وليس فقط المنتج. سوف يعزز هذا نقاش الطلاب حول تطورهم أثناء عملية الكتابة.

مصادر

https://www.teqsa.gov.au/students/understanding-academic-integrity/what-academic-integrity

https://www.monash.edu/student-academic-success/maintain-academic-integrity/what-is-academic-integrity-and-why-is-it-important#tabs__2816746-03

Sunday, February 4, 2024

مدينة بلا زهور

إقرأ المقال في مدونات العربي الجديد

زرت منذ مدة إحدى المدن الكبيرة العريقة، مدينةٌ تعجّ بالحركة والحياة؛ طرقاتها مكتظة بالمشاة والسيارات والدراجات والتوكتوك والبائعين، ومحالها ومقاهيها ومطاعمها تزخر بالزبائن.. وفي الخلفية أصوات المدينة تنظُمها أبواق الحافلات، وضجيج الناس، والموسيقى الصاخبة الصادحة من كلّ حدبٍ وصوب.

تُجالس أناس هذه المدينة النشيطة وترتاح لفيضِ طيبتهم ونقائهم وكرمهم، وبساطة سلوكهم ومزاحهم وضحكاتهم، إلّا أنّ مدينتهم خاليةٌ من الزهور! تتجوّل في طرقات هذه المدينة فلا ترى زهرة واحدة، بريّة كانت أو منزلية. مدينة رماديّةٌ خالية من الألوان. عجيب أمر هذه المدينة! ألا يحتاج أهلها بعض الجمال ليخفّف عنهم شيئاً من عبءِ الحياة وقسوتها؟

تأخذي تساؤلاتي إلى الدوحة التي أعيش فيها، إلى جمالِ الزهور التي تحيط بالمنازل رغم طبيعة البلاد الصحراوية؛ ثمّ أسرح فأصل إلى أوتاوا الكندية التي أمضيت فيها جزءاً لا بأس به من حياتي، فأستذكر كيف يُسارع الناس إلى زراعة الزهور المتنوّعة ليتمتّعوا بجمالها ما أمكنهم خلال أشهر الصيف القصيرة، قبل عودة الصقيع القطبي الذي يقضي على كلّ ما زرعوه في الصيف.

تأخذني الذاكرة إلى ضيعتي اللبنانية الصغيرة، إلى الرفيد، التي تتنافس نساؤها في تجميل بيوتهن من الداخل والخارج بالأزهار والوورد، بعضها محلّي وبعضها الآخر مستورد. ففي كلّ واحدةٍ من هذه الأماكن المحبّبة إلى قلبي يسعى الجميع، كلٌّ على طريقته، لجعلِ المنظر العامّ جميلاً من خلال زراعة الزهور، ونشرِ الألوان في محيطِ بيوتهم، ليساهموا بذلك في صناعة الجمال الكلّي لمدينتهم أو بلدتهم.

ويفرض السؤال نفسه هنا: ما الذي يصرف اهتمامَ كامل سكان مدينة ما عن العناية بجمال المحيط الذي يقطنون فيه؟ لماذا هذا الانفصال التامّ بين المواطن والمساحة، فلا يبالي بغرسِ نبتةٍ في محيط منزله تُضفي بعضًا من الخضرة والجمال والأناقة على بيته وحارته؟ ليس انعدام الزهور في مدينة بأكملها مجرّد إهمال بشري لعنصرٍ جمالي طبيعي، بل هو مؤّشر لما هو أعمق بكثير: قد يكون ذلك انعدام شعور المواطن بالانتماء للمكان الذي يعيش فيه، أو غياب إحساسه بالأمن والأمان في محيطه، أو قد يكون ردّة فعل منه على مدينته التي أهملته وتجاهلت حاجته للحماية والراحة والاهتمام!

ما الذي يصرف اهتمام كامل سكان مدينة ما عن العناية بجمال المحيط الذي يقطنون فيه؟

أحبّ المشي، ومن عادتي أن أمشي بضع كيلومترات يومياً، لكنّ شبح الحذر والخوف لا يكفّ عن مطاردتي بينما أمشي في الشوارع الضيّقة غير المعبّدة لهذه المدينة الشاحبة. أمشي خائفةً من الوقوع بسبب حجر يعترضني، أو حفرة تفاجئني، أو سيارة اختار سائقها أن يسبقني بينما أهمّ باجتياز الطريق ضارباً عرض الحائط مبدأ "الأولوية للمشاة".

يتجاهل أصحاب المحالّ التجارية حاجة المشاة إلى رصيف يطمئنّون للمشي عليه، فيجتاحونه لتوسعة محالّهم ومقاهيهم، أو يبذرون النفايات عليه وينشرونها في المساحات الفارغة هنا وهناك. ثم ترى محاولة بائسةً من هيئة الأشغال العامة لإنشاء جسر يُيسّر حركة السيارات، لكن الجلي أنه لن يُستكمل في المدى المنظور، وهو ما تشي به قضبان الحديد المغلّفة بالصدأ والغبار المستخدمة في بنائه، ما يزيد من خطورة تحرّك المشاة والسائقين ويعطي بُعداً آخر لشحوبِ المكان مؤكّداً إهمال الفضاء.

السيارات والحافلات والدراجات الهوائية والنارية والأفراد وبعض الحيوانات، كلّهم يسيرون في الطريق ذاته دون أيّة ضوابط تحكم كيفية سيرهم. أصوات متداخلة، وزمامير من آليات النقل والسيارات، ومكبّرات الصوت في المقاهي، وصراخ البائعين... تمشي في الطريق وتدعو الله أن تنجو في خضم تلك الفوضى والتشوّش والضوضاء. كلّ هذا انعكاسٌ لعدم إيلاء السلطات المسؤولة أيّ اهتمام بالجانب الجمالي في المساحات العامة وجعلها آمنة ومحبّبة للعيش.  

عندما تهتم السلطات بالأماكن العامة من خلال توفير الخدمات، كخدمات تنظيم السير وتنظيف الشوارع والأرصفة أو توفير المساحات الواسعة والنظيفة والآمنة لتيسير حركة السكّان، وعندما تُفرض القوانين لتشجّع الأفراد على السلوك الذي يجعل حياتهم أكثر انتظاماً، عندها تدب الروح في المدينة، فتنبض بالحياة وتنتعش. وينعكس ذلك على المواطن، فيشعر هو الآخر بالأمان لوجود من هو مسؤول عن رفاهه وسعادته، وتتوّطد العلاقة بينه وبين محيطه، فيزيد فخره بانتمائه إليه، ما يدفعه ليساهم في جعلِ المكان أكثر جمالاً ورونقاً. 

ليس انعدام الزهور في مدينة بأكملها مجرّد إهمال بشري لعنصرٍ جمالي طبيعي، بل هو مؤشر لما هو أعمق بكثير

العلاقة بين المدينة والقاطنين فيها علاقة وطيدة، فالمدينة التي تنعم بالاهتمام من أولي الأمر تُشعر قاطنيها بالانتماء، ولذلك يقع على عاتق المسؤولين أمر العناية بالمساحات العامة، وتقديم الخدمات اللازمة لتجعل المواطن فخوراً بالمكان الذي ينتمي إليه. وإذا حصل ذلك، فمن المؤكد أنّ هؤلاء القاطنين سيولون مسألة الاهتمام بمحيطهم وتجميله الأهمية اللازمة. وعندها فقط تبدأ الألوان والزهور بالانتشار، لتُضفي روحاً على المدينة وتجعلها تتألق فتسر أهلها، وأيضًا القادمين إليها. 

الإنسان بطبيعته يحب الجمال ويأنس له، ويشعر بالأمان والراحة في الأماكن الجميلة، فمن الظلم ألّا تُولي السلطات الاهتمام بالمساحات العامة، لأنّها بذلك تحوّل أي مكانٍ إلى فضاءٍ بائس يقطنه من لا يهتم لجماله. فمكانٌ خالٍ من الزهور هو مكان خالٍ من الجمال.

Wednesday, January 17, 2024

غزّة.. مجتمع تعلّمي وتعليمي لأهلها وللعالم

إقرأ المقالة  في مدونات العربي الجديد

تقف طفلة لا يتجاوز عمرها العشر السنوات، منتصبة القامة، تنظر في وجه الإعلامية التي تحدّثها لتعبّر عن أفكارها بوضوح وتدلّل على ما تقول بكلمات من أنشودة "أنا دمي فلسطيني"، مستخدمةً التكرار للكلمات المفتاحية لتؤكّد لمستمعيها على فكرتها الرئيسية. تستخدم الصور البيانية، تدعم أفكارها بحركات يديها وتعابير وجهها، وتستحضر الشواهد التي تدعم وجهة نظرها.

كلّ هذا انعكاس لمهارات نعلّمها في صفوف الخطابة عن التعبير الواضح ومواجهة الجمهور. لكنْ، لا أظن أنّ بنت الصّف الثالث إعدادي هذه تسنّت لها الفرصة لتأخذ صفّاً في الخطابة والتحدّث الارتجالي. أضف إلى ذلك أنّها تعاني من الجوع والبرد ونقص الأدوية والأمان، كما تبيّن لاحقاً من حديث الإعلامية معها.

يتّفق العديد من التربويين على أنّ السمات الأساسية للتعليم الفعَّال هي أنه يلبّي احتياجات المجتمع من خلال إعطاء الأولوية لتعليم المهارات على تعليم المعارف والمعلومات، لأنّ المعلومات باتت متوفرة في متناول الجميع، خاصّة في أيامنا هذه، وأنّ التعليم الجيّد يعتمد على التحفيز الذاتي أكثر من التحفيز الخارجي، وأنّ تعليم الحوار أساسي لتعليم التّواصل الفعّال، وتمكين المتعلّمين من المشاركة كأفرقاء متساوين في أيّ نشاط يندمجون فيه هو أمر ضروري لبناء الإنسان المفكّر، الحر، وأنّ التعلّم الجيد هو الذي يكون المتعلّم فيه شغوفاً بالمادّة الدّراسية، مدركاً أنّ ما يتعلّمه له قيمة حقيقة في حياته. 

أعود لابنة العشر سنوات. من الواضح أنّ السّمات الأساسية للتعليم لم تُلبَّ في المدرسة التي تذهب إليها، وهي، بالأصل، لا تذهب إلى أيّة مدرسة، لأنّه لم يعد هناك مدرسة في محطيها لتذهب إليها! يعني أنّها لا تتعرّض لتعلّم المهارات ولا المعلومات. ولا وجود في حياتها للمحفّزات، سواء كانت خارجية أو داخلية. وما الذي يحفّز طفلة للتعلّم، وهي تعاني من الجوع والبرد وانعدام الأمان؟ شهادة تميّز؟ أم تصفيق الزملاء؟ أم الإنذار بالحرمان من دخول الصّف أو التخويف من إرسالها إلى مكتب المدير؟ هي محرومة من الأمن والأمان والطعام والدفء والأهل والطفولة، حرمان باتساع المدى، لا ينتهي بنهاية حصّة دراسية، ولا يوم أو فصل أو عام دراسي. حرمان سيبقى كابوساً يلاحقها مدى حياتها. وأيّ تخويف سيؤثّر في هذا الطفلة، التي تواجه أقسى جبروت العالم وحدها، بجسدها الصغير؟ فأيّ إجراء إداري سيخيفها، وأيّة رسالة لوالديها (إن كانا على قيد الحياة) ستؤثّر بها؟ 

التعلّم الجيد هو الذي يكون المتعلّم

 فيه شغوفاًبالمادّة الدّراسية،

 مدركاً أنّ ما يتعلّمه له قيمة حقيقة في حياته

وإن تحدثنا عن تمكين المتعلّم من خلال المشاركة بشكل متساوٍ مع أقرانه، وإعطائه الحقّ في التعبير عن حاجاته، فهذان أمران ليسا في المنال لتلك البنت الصغيرة. هي، كما قالت لمحدّثتها، قد خسرت كلّ بنات صفها نتيجة القصف الذي هدّم مدرستها. ويبقى السؤال: كيف اكتسبت هذه الفتاه هذه القوّة والصّلابة والوضوح، بل هذا البيان والفصاحة والبلاغة في التعبير عن أفكارها وفهمها لما يحصل حولها رغم مصابها؟! 

أفضل أنواع التعليم يحصل عندما تكون التجارب التعلّمية جزءاً واقعياً من مجتمع المتعلّم، لأنّ من شأن ذلك أن يوفر له فرصة حقيقية ليتفاعل مع أقرانه ومن يكبره أو يصغره سناّ، وأن يُعايش التجارب الحياتية بتفاصيلها، وأن يكون عنده المتسع من الوقت ليفكّر ويجرّب ويتفكّر في تجاربه التعلّمية ويكون عنده الفرصة لأن يعدّل سلوكه ويعيد التجربة. ومن الممارسات التي تدعو إليها طرائق التدريس الحديثة إعطاء الحرّيّة للمتعلّم ليختار الطريقة التي يفضّل أن يتعلّم بها، وإعطاؤه الخيارات في التعبير عمّا تعلّمه، فلا يكون التعليم بمقياس واحد للجميع، بل يُفصَّل لكلّ متعلّم حسب قدراته، ومهاراته، واهتماماته. وهذا ما نجد صعوبة بالغة في تطبيقه في مدارسنا اليوم، فمتعلّمونا محكومون في تعلّمهم بمجموعة من قيود المنهج الموضوع مسبقاً، والمستوى المحدّد سلفاً، وأداء المعلّم وتفاعل الزملاء دون أن يُعطى الواحد منهم ما يناسبه وينسجم مع شخصيته وخصوصيته. كما أنّ الوقت المرصود للتجارب التعليمية محدَّد ببداية ونهاية، وقتٌ يحدّده المعلّم وإن لم يلائم المتعلّمين، فمنهم من ينهي عمله بسرعة تفوق سرعة أقرانه، ومنهم من يحتاج إلى وقت أطول ليفكر وينتج. أضف إلى ذلك أنّ حياة الطفل المدرسية كلّها محكومة بجرس المدرسة الذي يحدَّد متى يدخل إلى صفه، ومتى يحقّ له أن يأكل "سندويشته"، ومتى عليه الانتقال من نشاط يعمل عليه إلى نشاط آخر، ومتى عليه أن ينهي اندماجه في مادّة دراسية معينة لينتقل إلى مادّة أخرى، وكأنّ الالتزام بما يمليه عليه ذلك الجرس أهمّ من العمل الدراسي الذي يقوم به! ما يعني أنّ الالتزام الزمني له أهمّية بالغة في التعليم، وأنّ التعلّم مقيَّد بالوقت والترتيب الزمني.

حياة الطفل المدرسية كلّها محكومة

 بجرس المدرسة الذي يحدَّد متى يدخل إلى صفه،

 ومتى يحقّ له أن يأكل "سندويشته"

هذه القيود لا تسمح للمعلّم، ولا المتعلّم، القيام بالتفكَّر في التجارب التعليمية والاستفادة من الأخطاء وإعادة النظر في الإجراءات، لأنّ الأولوية في مناهجنا تُعطى للتّسلسل في خطٍّ زمني مستقيم لا عودة فيه إلى الوراء. أمّا عن إعطاء الخيارات للمتعلّم، فهذا من الرّفاهيات التي لم يتمكّن نظامنا التعليمي توفيره، فلا المعلّم جاهز لذلك، ولا البيئة المدرسية مجهّزة له، ولا الوقت المخصّص للتعليم يكفي، ولا الموارد في المؤسّسات التعليمية متوفّرة. ولذلك نجد الكثير من نتاجات التعلّم عبارة عن نتاجات مصطنعة لا تحاكي المطلوب في الحياة ولا تتمتّع بالعمق الذي يخدم الإنسان. 

قيود الوقت الصّارمة، وحصر تصميم التجارب التعليمية بيد المعلّم من شأنها أن تجعل المتعلّم اتكالياً على الآخر ليحدَّد له كيف يتصرف، ومتى وأين، ومع ذلك يطلب من المعلّم أن يعلِّم تلاميذه التفكير الناقد والمهارات القيادية والاستقلالية.

الحلّ الذي التفتت إليه التربية هو تحويل بيئة التعلّم إلى مجتمع تعلّمي، والمقصود بالمجتمع التعلّمي هو تحويل التجارب الصفّية وغير الصفّية إلى أحداث اجتماعية تتميّز بالتفاعل والتشارك والتعاون للوصول إلى الناتج التعلّمي المطلوب، وخلق تجارب تعلّمية تحتاج إلى التفاعل، ليس بين المتعلّمين فحسب، بل بين المعلّمين والمتعلّمين أيضًا. لكنْ، حتى مع كلّ المحاولات والأدبيات الدّاعمة لهذا التحوّل، في معظم الأحيان، لم تشقّ هذه النظرية طريقها إلى المدارس إلا بشكل سطحي، وفي تجارب متفرّقة، لا كنموذج متكامل. 

هل يمكننا اعتبار غزّة مدرسة حديثة،

 نتاجاتها التعليمية تعكس ما تهدف إليه

 النظريات الحديثة في التعليم؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أليس المطلوب من المعلّمين تصميم تجارب تعليمية لتلاميذهم تحاكي الحياة، وتجعلهم شركاء في إنتاج المعرفة وتحقيق الأهداف التعلّمية، وتحويل المدارس إلى مجتمعات تتّسم بالتفاعل الاجتماعي من خلال أهداف ووسائل موجودة أصلاً في الحياة الطبيعية للأطفال؟ لماذا نسلخ الطفل من مجتمعه الطبيعي ثمّ نزرعه في المدرسة ونسعى لتحويلها إلى مجتمع؟ لماذا نبعده عن تجارب حياته الطبيعية ثمّ نسعى لتصميم تجارب أخرى نحاول فيها أن نحاكي الحياة؟ ألم يئن الأوان لأن نُعيد النظر في كيفية تعليم الأطفال؟ أليس المنطقي هو ترك الأطفال في بيئتهم الطبيعية والبحث عن كيفية تعزيز تلك التجربة؟ 

لقد عبّرت تلك الطفلة ذات الأعوام العشرة في خطابها عن امتلاكها للعديد من المهارات التي استخدمتها بعفوية وتلقائية. من الواضح أنّها قادرة على اتخاذ قرارها بما تقول، وكيف تعبّر عنه، وهي تملك نظاماً قيمياً واضحاً يوجّه تفكيرها وسلوكها، وبالتالي حديثها وخطابها. تفكيرُها النّاقد في تقييمها لما يحصل لبلدها وأهلها، وفهمُها للأحداث ضمن ما يحصل في العالم واضح، أضف إلى ذلك قدراتها العالية في التحدّث، والإجابة عن الأسئلة والتواصل اللغوي. هل السبب في تفوّق هذه الطفلة، والكثير من أمثالها، هو انتماؤها لمدرسة غير المدارس التي نعرف؟ هل المجتمع التعلّمي الذي تنتمي إليه هو مجتمع طبيعي وأصلي، لا ذلك المجتمع المصطنع داخل جدران مدارسنا؟ هل هي من اختارت وتختار ما تعبّر عنه وبالأسلوب الذي هي تريده؟ هل سبب تفوّقها هو التصاقها بمجتمعها الطبيعي الذي تستوحي منه كيفية التصرّف، والذي تتعرّف منه على الحياة كما هي في الواقع المُعاش، وليست كما صمّمها التربويون؟ هل لنا أن نستوحي أفكاراً جديدة ندرجها في طرائق تعليمنا وتعاملنا مع الصغار؟ هل يمكننا اعتبار غزّة مدرسة حديثة، نتاجاتها التعليمية تعكس ما تهدف إليه النظريات الحديثة في التعليم؟ وهل يمكننا أن نستخلص من هذا النموذج ما يساعدنا في بناء مناهجنا وتصميم تجاربنا التعليمية وخططنا التدريسية؟

Friday, December 1, 2023

أطفال غزّة ومهارات القرن الواحد والعشرين

إقرأ المقالة  في مدونات  العربي الجديد

أنتجت العلوم وتطوّر ممارسات التعليم نظريات عدّة في التربية تهتم بنمو التلميذ لتُعدّه للحياة والتعامل مع متطلّباتها بنجاح، فدعت إلى دمج التلميذ في العملية التعليمية مهما كان انتماؤه أو خلفيته أو التحديات التي يواجهها. إلّا أنّ هذا العلم الحديث بتطوّره ونظرياته التقدميّة لم يأبه لابن غزّة، ولم يشمله ضمن الفئات المجتمعية الهشّة التي تحظى عادةً برعاية تربوية خاصة، بل أنتج جهابذةَ الزعماء الذين زجّوا بطفل غزّة في معسكر اعتقالٍ ضخمٍ دون أدنى مقومات الحياة الأساسيّة، فما بالك بالعناية بتربيته حسب النظريات الحديثة، بما تحتويه، على التفكير النقدي والإبداعي، والمهارات الناعمة، ومهارات القيادة، والتواصل، والتعاون، والمرونة؟

لكن أكثر ما يُذهلني، وأنا التي قضيت عقودًا في التعليم أتنقل بين بيئاتٍ ومؤسساتٍ مختلفة، هو الطريقة التي يُمارس فيها طفل غزة تلك المهارات بعفويةِ وسلاسة، وكأنّه تعلّمها وتدرّب عليها في أفضل مدارس العالم، حتى أصبحت متجسدة في تواصله وسلوكه. ذلك الطفل الذي تحوّلت مدرسته إلى ملجأ يؤويه وأفراد عائلته، وصارت قاعة صفّه غرفة نومٍ مكتظّةٍ يتشاركها مع أبناء حيّه، ذلك الطفل الذي لا يأمن يومه وقُوته، ويعيش وأصوات القصف وصور الموت تلاحقه، ذلك الطفل يجيد مهارات التواصل والإلقاء والإقناع، فنراه من خلال شاشة التلفاز يواجه منفردًا، جمهورًا بحجم العالم، ولا معلّمة بجانبه تُشير عليه ليقف مستقيمًا مواجهًا المُخَاطب، ولا من يُرشده ليحافظ على تواصله البصري مع الجمهور، أو يستخدم لغة الجسد بالشكل الذي يتناسب مع الكلمة. يتحدث هذا الطفل بكلّ ثقةٍ، يعرض حجته بلغة مباشرة وواضحة، ويدعمها  بالأدلة والبراهين المتنوّعة، وكأنّه تعلّم فن الحديث في أفضل نوادي المناظرات والخطابة!

أما نحن في باقي دول العالم، فنبذل الوقت والجهد لتعليم التفكير الناقد، ونعمل لاختيار النشاطات والمضامين وطرائق التدريس المناسبة التي في غالب الأحيان يُحرَمُها ابن غزة، ابن أكثر بقاع الأرض عزلة وأصعبها معيشة. 

تجاوز طفل غزّة بأشواط المتوقع منه، وهو في خضم الحصار، محرومٌ من أحبابه وأصحابه، بعيدٌ عن مأواه ومسكنه، محرومٌ من أمنه إلى حدّ أن كسرة الخبز تُسرق من يديه الصغيرتين

وفي إطار تعليم مهارات القرن الواحد والعشرين، نحاول كذلك تنمية مهارات الذكاء العاطفيّ لدى طلّابنا. نعلّم التلاميذ تحديد مشاعرهم، وفهمها، وفهم مشاعر الآخرين، وتحديد أثر سلوك الفرد على مشاعر من حوله. يأتي كلّ ذلك ضمن مساعي تعزيز الذكاء العاطفي، ذلك المفهوم الذي دخل مجدّدًا إلى التربية والتعليم، فأصبح من المحاور المهمة في المؤسسات التعليمية. ومع ذلك، ما زلنا نعاني من ازدياد ظاهرة التنمّر في المدارس التي إن دلّت على شيءٍ فإنّما تدلّ على استغلال القويّ للضعيف، واضمحلال التعاطف والتسامح وتقبّل الآخر، ولذلك تُرصَدُ الميزانيات الهائلة للحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة المتنامية، التي قد تصل خطورتها إلى انتحار عددٍ غير قليلٍ من الأطفال والمراهقين بسبب ما يتعرضون له من تنمّر، لكنّنا نرى أنّ طفل غزّة قد تجاوز بأشواط المتوقع منه وهو في خضم الحصار محرومٌ أحبابه وأصحابه، بعيدٌ عن مأواه ومسكنه، محرومٌ أمنه إلى حدّ أنّ كسرة الخبز تُسرق من يديه الصغيرتين. فطفل غزة واضح المشاعر، يعرف بمن يثق، ويعبّر عن ثقته بالله، مؤكّدًا أنّ ملجأه هو الله ربّه. يتعاطف مع أبناء محيطه، وتراه مبادرًا، بكلّ طواعيةٍ، في البحث عمن يقبع تحت الأنقاض. يتعاطف طفل غزّة مع المستضعفين أمثاله، ويعرف أنّ عدوه هو الوحيد الذي يستحق غضبه وشتائمه. ينظر في أعيننا من خلال عدسات الكاميرا، وبدلًا من أن ينهال علينا بالشتائم لأنّنا خذلناه وتركناه وأهله بلا ناصرٍ، نسمعه يرتجل، بكلّ ثقة، خطاباتٍ عن واقعه بلغةٍ سلسةٍ ووصفٍ دقيقٍ موضوعيّ، حتى يظن المستمع أنّ التلميذ كتب نصه مسبقًا وعرضه على معلمه ليصحّح له صياغته وينتقي له الكلمات المعبّرة والأسلوب المناسب. 

أضف إلى ذلك كلّه صلابة ذلك الطفل، الذي حسب المعايير التربوية، هو من أكثر الفئات هشاشة، الأمر الذي يجعله بحاجة لرعاية خاصة. لكن أرض الواقع لا تتطابق دائمًا مع هذه المعايير، فتلميذ غزة يمارس صلابة عالية في مواجهة الصعوبات التي يتعرّض لها لحظةً بعد لحظة، ويتعاطى مع مشكلاته في وقت نتوقع منه الانهيار والتيه، فيفاجئنا بتجاوزه أوجاعه، منتشلًا نفسه من تحت الأنقاض، حاملًا الدواء لأخته الصغيرة بكلّ حنوّ ولطف، محاولًا أن يدركها هو قبل أن يدركها الموت، آملًا أن تستعيد بعضًا من قواها بدلًا من أن يجد نفسه مع جسدٍ باردٍ آخر.

يقف طفل غزة على ركام مدرسته ليرينا أنّ الصفوف العادية ليست المكان الأفضل لتدريس مهارات القرن الواحد والعشرين

إذن، يظهر طفل غزّة صلابة وتصرّفًا واعيًا عند المشكلات، وندّعي نحن كتربويون أنّها تأتي بفعل تزويد المدرسة المتعلّم بالأدوات المعرفية والعاطفية والاجتماعية الضرورية التي تجهّزه لمواجهة التحديات وتقدّم له الفرص المناسبة للنمو، لكن أين ابن غزة من هذه المضامين الدراسية؟ وأين هو من الخبرات الصفية التي صمّمت لتلك الأغراض؟ ومع كلّ هذا الحرمان التربوي، إلّا أنّه يتمتع بالقدرة على الصمود أكثر من أيّ تلميذ آخر، قادرٌ على مواجهة التحديات بقوة وثبات وعزم على تغيير حاله، مع أنّ الموت يلاحقه في كلّ خطوة يخطيها.

أن نضعه في غرفة صفية ترفٌ من مترفات الحياة، وأن نصمّم له خبرات تعليمية تسمح له بتعزيز العلاقات الداعمة من خلال العمل الجماعي، وأن نعلّمه العطف والصلابة، من المستحيلات في واقعٍ تلاحقه فيه قذائف عدو شرس من كلّ حدب وصوب. 

في واقعٍ مرّ لا يكاد يتحمله بشر، يتمتّع تلميذ غزة بمهارات القرن الواحد والعشرين أكثر  من نظرائه في العالم الذين ينعمون برغد العيش، وهو المحروم البيئة الآمنة والعلاقات الاجتماعية الداعمة والتعليم غير المنقطع، وبرامج الدعم العاطفي والاجتماعي والأكاديمي، وهي أمور تُعدّ كلّها أساسية لنمو التلميذ. كيف اكتسب ذلك الطفل الأعزل كلّ هذه القدرات؟ لا أملك جوابًا لهذا السّؤال، ولكنّ ما أعرفه هو أنّ هناك سببًا ما جعله متفوّقًا على أقرانه في العديد من المجالات. ربّما كانت المنظومة القيمية التي تربّى عليها، فأصبحت متجسّدة في تفكيره ومشاعره، وانعكست في سلوكه، أو لربّما كانت حاجاته لإيجاد الحلول لمشكلاته في بيئة سحقت مواردها آلات حرب لا ترحم، فاضطر إلى أن يستخدم مهارات تفكير عالية وناقدة.

في كلّ الأحوال، لا تأتي التربية من مصدرٍ واحد، فتحية إجلالٍ لمعلّمه، ولوالديه، ولمجتمعه الذين ساهموا جميعًا في صناعة طفلٍ صلبٍ شجاعٍ، يقف على ركام مدرسته ليرينا أنّ الصفوف العادية ليست المكان الأفضل لتدريس مهارات القرن الواحد والعشرين، وأنّ صانعي النظريات التربوية ومنظريها عليهم أن يتعرّفوا إلى طفل غزّة ويدرسوا القيم التي نشأ عليها ليعدلوا أدبياتهم التي لم نجنِ ثمارها المرجوّة بعد.