Monday, August 24, 2026

حين لا تكفي حرية التعبير

تقرأون المقال في العربي الجديد 

نتغنّى في لبنان بأننا نتمتّع بهامش واسع من حرية التعبير، يميّزنا عن كثير من مجتمعات محيطنا العربي؛ حرية تتيح للفرد مساحة للتعبير عن رأيه وفكره، في مناخ يقلّ فيه الخوف من ملاحقة السلطة أو أجهزة المراقبة، مقارنةً بكثير من مجتمعات المنطقة. يبدو الأمر جميلاً ومتّسقاً مع مبادئ الحرية والديمقراطية التي تتوق إليها الشعوب، لكن هل تكفي حرية التعبير وحدها لبناء مجتمع حرّ ومتوازن؟

حين يصبح الانتماء إلى عائلة أو مجموعة أو حزب أو فكر انتماءً غريزياً لا يرتكز على قيم عليا، يتحوّل الأفراد إلى متعصّبين لجماعاتهم، وتصبح الأولوية للانتصار وتسجيل المواقف واستقطاب الجماهير والسيطرة على الساحات، لا للبحث عمّا هو حق أو عادل. وهنا يبدأ العداء بين الجماعات المختلفة. وعندها لا يعود السؤال: ما الصواب؟ بل: من قاله؟ أهو من جماعتي أم من خصومي؟ فما كان مصدر قوّة في المجتمع يتحوّل إلى نار تلتهم المشاعر، وتفكّك اللُّحمة الاجتماعية، وتبعد الأفراد عن العدل والإنصاف والموضوعية. والأخطر من ذلك كله أنها تجعلهم عُرضة للفتن والفرقة والتفكّك.

التعدّد الفكري وتنوّع الانتماءات قد يساهمان في رفعة المجتمع وتقدّمه، لأنهما يتيحان النظر إلى القضايا من زوايا مختلفة، ويكشفان جوانب قد تغيب عن طرف ويراها طرف آخر، كما يشكّلان مساحة لكل فرد، كلّ بحسب ميله ومستواه واهتماماته، مما يجعل البيئة أكثر شمولاً واحتواءً للجميع، لكن الفكر وحده ليس كافياً، لأنه نتاج العقل، والعقل يصيب ويخطئ، والعقول تختلف، كما تتأثر بالمصلحة والثقافة والبيئة وموازين القوى، ولذلك لا بدّ من مرجعية أعلى تضمن الإنصاف ووحدة المعيار، مهما اختلفت العقول.

قد يرى البعض أن المبادئ الإنسانية المشتركة قادرة على أداء هذه الوظيفة، وهي بلا شك ضرورية لحماية الحقوق وتنظيم المجتمعات، لكن يبقى السؤال عن المصدر الذي يمنح هذه المبادئ إلزامها الأخلاقي حين تتعارض مع المصلحة الخاصة أو القوة أو إرادة الأكثرية.

وإذا كان المعيار الأخلاقي نفسه خاضعاً لتبدّل الأهواء والمصالح والموازين، فإنه يفقد قدرته على أن يكون حَكَماً بينها، لذلك لا يكفي أن نتوافق على معيار متغيّر، بل نحتاج إلى مرجعية لا تستمدّ شرعيتها من القوّة أو المصلحة أو إرادة الأكثرية.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى الاستناد إلى التشريع الرباني والمقاصد الأخلاقية العليا، لا بوصفها أداة للهيمنة، بل مرجعية قيمية كبرى تقف فوق الجميع، وتستمدّ سلطتها من مصدر أسمى من الإنسان نفسه. وتتجلّى قيمة هذه المرجعية في المبادئ الكلية للعدل والكرامة والإنصاف والحق، وهي مبادئ تتجاوز الفرد وتجعله محكوماً بالمبدأ لا حاكماً عليه. ومن شأن ذلك أن يخلق البيئة المناسبة لحماية التعددية في مجتمع متنوّع مثل لبنان، ليس لأنها تلغي اختلافاتنا، بل لأنها تتسامى عليها؛ فهي لا تمنح جماعتنا الحق لأنها جماعتنا، ولا تسلب خصمي حقه لأنه خصمي، بل تلزمنا بالعدل حتى حين يكون العدل في مصلحة من نخالفه، وتمنعنا من تبرير الظلم حتى حين يصدر عمّن نناصر.

وبذلك نحافظ على تنوّعنا واختلافاتنا، ونحوّلهما إلى عنصرَي قوّة للارتقاء بالمجتمع، ونستند إلى التشريع الرباني بوصفه مرجعية تجمعنا وتحمي اختلافنا من التحوّل إلى عداء وكراهية.

لسنا بحاجة إلى أن نتشابه كي نعيش معاً، ولا إلى أن نتخلّى عن أفكارنا وانتماءاتنا واختلافاتنا. نحن بحاجة إلى أن نجعل الحق فوق أحزابنا

لسنا بحاجة إلى أن نتشابه كي نعيش معاً، ولا إلى أن نتخلّى عن أفكارنا وانتماءاتنا واختلافاتنا. نحن بحاجة إلى أن نجعل الحق فوق أحزابنا، والعدل فوق عصبيّاتنا، والمبدأ فوق رغباتنا في الانتصار.

هذه ممارسات ليست سهلة، بل تحتاج إلى تربية للنفس ومجاهدة دائمة للانحيازات، وإلى الاحتكام إلى معيار يسمو على الانتماءات والمصالح. ولعلّ لبنان، بما يحمله من تعدّد فكري وطائفي وسياسي، هو أحوج ما يكون إلى هذه الممارسات. فالحرية التي طالما تغنّينا بها لا تكون نعمة لمجرّد اتساع مساحة التعبير، بل بقدرتنا على أن نجعل منها مساحة للقاء والتعاون والارتقاء. عندها يصبح التنوّع مصدر غنى لا سبباً للصراع، وعندها فقط يحقّ لنا أن نتغنّى بحريتنا، حين نجعلها أداةً للبناء والتماسك، لا وقوداً للفرقة.