Thursday, June 4, 2026

حين يرحل الأحبة

تقرأون هذا النص في العربي الجديد

دار حديث بيني وبين ابنتي الطبيبة، أخبرتني فيه أنّ أكثر ما يؤثّر فيها في الحالات الطبية المُستعصية ليس المرض في حدِّ ذاته، بل أثره على عائلة المريض وأحبّائه. قالت لي إنّ وقع الألم الحقيقي يبدأ حين يمتدّ المرض إلى قلوب من يحبّون المريض، إلى خوفهم وعجزهم وترقّبهم. 

وذكرت لي ارتباك الفريق الطبي وهو يبحث عن كيفية إخبار أبٍ بحقيقة مرض ابنه الوحيد، وقد شُخّص بمرض عضالٍ. كيف يخبرونه بذلك وقد جاء هذا الابن بعد سبعة عشر عاماً من الانتظار والدعاء والعلاج؟ كيف ستتلقى الأم الخبر؟ من سيخبرهما؟ وكيف؟ ومتى؟ وأيّ كلمات يمكن اختيارها لتخفيف وطأة النبأ العظيم؟ 

لم يفارقني هذا المعنى، خصوصاً بعد استشهاد شاب من بلدتي. في الأيّام الأولى بعد استشهاده، سكنني حزن ثقيل لازمني، ليلاً ونهاراً، رغم بعدي عن بلدتي وأهلها. وأنا على يقين لا يخالطه شك أنّ الشاب الشهيد عند ربّ رحيم، رؤوف به، مُكرّم كما وعد الله الشهداء، لكنّ القلب يتألم للفقد، ويتوجّع للغياب. 

لم أحزن لرحيل شاب من خيرة شبابنا فحسب، بل على الفراغ الذي تركه في قلوب من أحبّه، وقد أحبّه كلّ من عرفه. 

من يفقد غالياَ، لا يفقد شخصًا فحسب، بل يفقد جزءاً من حياته معه

استحضرت وجه والدته، التي لا أشك أنّها صابرة محتسبة، أيّ قلب يحتمل غياب ولد بارّ، رقيق السمت، حاضرٍ بكلّ حنّو كلّما نادته؟ كيف ستعتاد البيت من دونه؟ كيف لوالده أن يعتاد غياب من كان يرى فيه ثمرة تربيته والحرث الصالح الذي يحمد الله عليه كلما رآه؟ كيف لإخوته أن يستيقظوا كلّ صباح، وأوّل فكرة تُراودهم أنّ أخاهم القدوة والسند ليس بينهم؟ وكيف لجدّته أن تتحمّل هذا العذاب، وهي التي كانت ترى ملامح ابنها في وجه حفيدها؟ كيف لها أن تنتظر خطواته التي لن تأتي؟ كيف لقلبها المُتعب أن ينتظر سلام حفيدها وطلبه لرضاها؟ كيف لها أن تتحمّل رؤية الأسى على وجه ولدها الذي خسر فلذة كبده؟ كيف لأصدقائه أن يعودوا إلى نشاطاتهم وقد غاب عنهم من كان في كلّ نشاط شعلته، وفي كلّ حديث بهجته، وهو المعروف بلطفه، ودماثة خلقه، ومحبّة الناس له؟ وكيف؟ وكيف؟

الثقة بالله عظيمة. نؤمن أنّ الشهداء مكرّمون في عليين، وأنّ الله خصّهم بفضل ليس لغيرهم. نؤمن بشفاعتهم، وبرحمة الله التي تحفّهم، وبالخير الذي يصل إلى أهلهم. لكن الفقد موجع، والمصاب جلل، ووقع الغياب على الأحبّة لا يوصف بكلمات ولا يقدّر بثمن. 

فيا رب، لنا عندك شهيد، صبّر أهله ومحبيه على فراقه، وأعن من خسر عزيزاً على مرارة الفقد وثقل الغياب.

ولعلّي الآن، أمام هذا الحدث الجلل، قد فهمت ما تقصده ابنتي. فالألم لا يقف عند الحدث نفسه، بل يمتدّ إلى قلوب المحبّين. المرض لا يصيب المريض وحده، والفقد لا يأخذ الشهيد وحده، بل يترك أثره في كلّ قلبٍ أحبّه، من يفقد غالياً، لا يفقد شخصاً فحسب، بل يفقد جزءاً من حياته معه.

x